لقد كانت هذ ه المعجزة بمثابة إعلان لهؤلاء المشركين وغيرهم في كل عصر ووقت ' بأن ما قد يلاقيه الرسول وصحبه من ألوان الاضطهاد و العذاب على أيديهم مدة من الزمن في سبيل دينه ' لا يعنى أنه قد تخلى عنهم وأن النصر قد ابتعد عن متناولهم ' فلا ينبغى للمشركين وعامة أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك ' فإن نصر الله قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى
7-وتكشف الصورة التى استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مدى المحبة الشديدة التى كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالًا و نساءًا وأطفالًا ' لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ' حتى إذا هبّ النهار ليدبر ' عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم التالى ' فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد و الأهازيج فرحًا لمرآه عليه الصلاة و السلام ومقدمه عليهم ' ولقد بادلهم رسول الله صلى اله عليه وسلم نفس المحبة ' حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بنى النجار من حوله ' وهنّ ينشدنّ ويتغنين بمقدمه ' قائلًا: أتحببننى ؟ والله إن قلبى ليحبكنّ
يدلنا كل ذلك أن محبة رسول اله - صلى الله عليه وسلم - ليست في مجرد الإتباع له ' بل المحبة له هى أساس الإتباع وباعثه ' فلولا المحبة العاطفية في القلب لما وجد وازع يحمل على الإتباع في العمل .
ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس لها معنى إلا الإتباع و الإقتداء وفاتهم أن الإقتداء لا يأتى إلا بوازع ودافع ' ولن تجد من وازع يحمل على الإتباع إلا المحبة القلبية التى تهز المشاعر وتستبد بالعواطف ' ولذلك جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته - صلى الله عليه وسلم - ' بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد و الناس أجمعين ' وهذا يدل على أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جنس محبة الولد و الوالد أى مصدر كل منهما العاطفة و القلب وإلا لم تصح المقارنة و التفضيل بينهما .
8-أما الصورة التى رأيناها في مقامه - صلى الله عليه وسلم - عند أبى أيوب الأنصارى في منزله ' فتكشف لنا مظهر آخر من مظاهر محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه والسلام له .
والذى يهمنا من ذلك هنا ' هو التأمل في تبرك أبو أيوب وأم أيوب ' بآثار أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قطعة الطعام ' حينما كان يرد عليهما فضل طعامه ' إذًا فالتبرك بآثار النبى - صلى الله عليه وسلم - مشروع قد أقره - صلى الله عليه وسلم - .
وقد روى البخارى ومسلم صورًا كثيرة من تبرك الصحابة بآثار النبى - صلى الله عليه وسلم - و التوسل بها للإستشفاء أو العناية و التوفيق وما شابه ذلك .
من ذلك ما رواه البخارى في كتاب اللباس ' في باب ما يذكر في الشيب ' من أن أم سلمة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبى - صلى الله عليه وسلم - في جلجل لها ( ما يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته ) فكان إذا أصاب أحد من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء ' فجعلت الشعرات في الماء ' ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء و التبرك به .
ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الفضائل باب ( طيب عرقه - صلى الله عليه وسلم - ) أنه عليه الصلاة و السلام كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هى في البيت ' فجاء ذات يوم فنام على فراشها ' فجاءت أم سليم وقد عرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ' فأفاق النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟ فقالت يا رسول الله: نرجو بركته لصبياننا ' قال: أصبت )
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه - صلى الله عليه وسلم - و التبرك بالكثير من آثاره كألبسته و القدح الذى كان يشرب به .
فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللع عز وجل وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟
ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك 'وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس ' فإن التوسل و التبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير و البركة عن طريق المتوسل به . وكل من التوسل بجاهه - صلى الله عليه وسلم - عند الله و التوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ' أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذى ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة ' وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى ب ( تنقيح المناط ) عند علماء الأصول .
ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته - صلى الله عليه وسلم - عند هذا القدر ' لنتحدث بعد ذلك عن الأعمال الجليلة التى بدأ يقوم بها - صلى الله عليه وسلم - في المجتمع الجديد في المدينة المنورة .
أسس المجتمع الجديد
الأساس الأول ( بناء المسجد )
لقد كانت هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ' تعنى نشاة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض ' وقد كان ذلك إيذانًا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد - صلى الله عليه وسلم -
ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ' أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية:
أولًا: بناء المسجد
ثانيًا: المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار خاصة و المسلمين عامة .
ثالثًا: كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم ' وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة و اليهود بصورة خاصة .
قلنا فيما مضى: إن ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار ' وكان أسعد ابن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المدينة ' فكان يصلى بأصحابه فيه . فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبنى ذلك الموضع مسجدًا ' ودعا الغلامين - وكانا في كفالة أسعد ابن زرارة رضى الله عنه - فسام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ' فقالا بل نهبه لك يا رسول الله ' فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين' فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقبور فنبشت و بالنخل وبالشجر فقطعت ' وصفّت في قبلة المسجد ' وجعل طوله مما يلى القبلة الى مؤخرته مائة ذراع ' وفى الجانبين مثل ذلك أو دونه ' ثم بنوه باللبن ' وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه ' وجعل قبلته إلى بيت المقدس ' وجعل عمده الجذوع ' وسقفه بالجريد ' وقيل له: ألا نسقفه ؟ فقال: ( عريش كعريش موسى: خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك 'أما أرضه فقد بقيت مفروشة بالرمال و الحصباء .
وروى البخارى في سنده عن أنس ابن مالك ' أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى حيث أدركته الصلاة في مرابض الغنم ' قال ثم إنه أمر ببناء المسجد ' فأرسل الى ملأ من بنى النجار فجاؤوا ' فقال يابنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا ' فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا الى الله ' فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم ': كانت فيه قبور المشركين وكانت فيه خرب ' وكان فيه نخل . فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ' قال فصفوا النخل قبلة المسجد قال: وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار و المهاجرة .
وقد ظل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الشكل دون أى زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبى بكر رضى الله عنه ' ثم زاد فيه عمر رضى الله عنه بعض التحسين ' ولكنه بناه على بنائه في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - باللبن و الجريد وأعاد عمده خشبًا . ثم غيره عثمان رضى الله عنه فزاد فيه زيادة كبيرة ' وبنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصة ( الجص ) .
العبر و الدلائل:
بأخذ من هذا الذى ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلى:
1-مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامى و الدولة الإسلامية:
فقد أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ' بمجرد وصوله الى المدينة واستقراره فيها على إقامة مجتمع إسلامى متماسك راسخ ' يتألف من هؤلاء المسلمين: المهاجرين و الأنصار الذين جمعتهم المدينة المنورة ' فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر ' بناء المسجد .
ولا غرو ولا عجب ' فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامى ' ذلك أن المجتمع الإسلامى إنما يكتسب صفة الرسوخ و التماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته و آدابه ' وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .
إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة و المحبة بين المسلمين ' ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد ' فما لم يتلاق المسلمون يوميًا ' على مرات متعددة في بيت من بيوت الله ' وقد تساقطت عما بينهم فوارق الجاه و المال و الاعتبار ' لا يمكن لروح التآلف و التآخى أن تؤلف بينهم .
إن من نظام الإسلام وآدابه ' أن تشيع روح المساواة و العدل فيما بين المسلمين في مختلف شؤونهم وأحوالهم ' ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفًا واحدًا بين يدى الله عز وجل ' وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية ' وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله ' ومهما أنصرف كل مسلم الى بيته يعبد الله ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك و الاجتماع في العبادة ' فإن معنى العدالة و المساواة لن يتغلب في المجتمع على معانى اأثرة والتعالى و الأنانية.
وإن من نظام الإسلام وآدابه ' أ، ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذى هو حكمه وشرعه ' ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بهما عن معرفة وعلم ' فإن وحدتهم تؤول الى أشتات ' وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات و الأهواء .
فمن أجل تحقيق هذه المعانى كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة ' أسرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل كل شىء فبادر إلى بناء المسجد .
2-حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال و الأيتام:
فقد استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غير البالغ ووجه الدلالة على ذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - اشترى المربد من الغلامين اليتيمين ' بعد أن ساومهما ' ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما ' غير أن الذين ذهبوا الى عدم صحة تصرف غير البالغ سن الرشد- وهم جمهور الفقهاء- استدلوا بقول الله تعالى: ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده) أما حديث شراء المربد فيجاب عليه بجوابين:
أحدهما- أنه جاء في رواية عيينة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كلم عمهما الذى كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية .
ثانيهما - أن للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولاية خاصة في مثل هذه الأمور ' وأنه عليه الصلاة و السلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه وليًا عامًا لجميع المسلمين ' لا بوصف كونه فردًا منهم .
3-جواز نبش القبور الدارسة: واتخاذ موضعها مسجدًا إذا نظفت وطابت أرضها:
ذكر الإمام النووى تعليقًا على هذا الحديث فقال: فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض ' وجواز اتخاذ موضعها مسجدًا ' إذا طيبت أرضه.
كما أن الحديث يدل على أن الأرض التى دفن فيها الموتى ودرست ' يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده إذا لم توقف ' وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التى كانت في المربد أنها كانت قبورًا قديمة دارسة ' فلا يتأتى فيها الصديد و الدم ' ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا . قلت: ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجدًا ' إذا لم تكن الأرض وقفًا ' أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شىء آخر غير ما وقفت له .
4-حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها:
و التشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه ' والنقش و الزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة .
فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه عامة العلماء ' بدليل ما فعله عمر و عثمان رضى الله عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصلاة و السلام ' وهو وإن كان شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه لم يدل على المفهوم المخالف ' أى المنع من التشييد و التقوية ' إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التى من أجلها شرع بناء المساجد' بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى . واستدل العلماء أيضًا على ذلك بقوله تعالى: ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله و اليوم الآخر ) والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء و العناية به .
وأما النقش و الزخرفة ' فقد كرهها عامة العلماء ' ثم هم في ذلك بين محرّم ومكرّه ' غير أن الذين قالوا بالحرمة و الذين قالوا بالكرهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شىء من الزخرفة و النقش ' أما إذا كان المال المصروف على ذلك من البانى نفسه فيرد الخلاف فيه ' وقد ذكر الزركشى نقلًا عن الإمام البغوى أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ' ويغرّم القيم إن فعله ' فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين .
والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة و النقش واضح .
فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التى من أجلها شرع بناء المسجد ' أما الزخرفة و النقش فإن كلًا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة ' إذ من شأنه صرف قلب المصلين عن الخشوع و التدبر وشغله بمظاهر الدنيا ' على حين أنه يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها و مغرياتها .
وهذا ما نبه إليه عمر رضى الله عنه حينما أمر ببناء مسجد فقال: ( أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر ' فتفتن الناس ) ' وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هى داخلة في النقش الممنوع أم لا ؟ .
يقول الزركشى في كتابه إعلام الساجد: ( ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئًا منه ' قال مالك ' وجوزه بعض العلماء ' وقال لا بأس به ' لما روى من فعل عثمان ابن عفان ذلك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ' ولم ينكر ذلك عليه )
ومما ذكرناه يتبين لك خطا ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد و تشييدها اليوم ' حيث ينصرفون بكل جهودهم الى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها ' حتى إن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أى معنى من ذل العبودية لله عز وجل ' وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية ' وفنون الزخرفة العربية .
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطانى ببسطاء المسلمين ' أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوى إلى أى جهة ' لقد كان في المساجد ما يعزى الفقير بفقره ' ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها ' فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكرهم بزخرف الدنيا التى حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره .
فيالله ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران الحقائق الإسلامية وانشغالهم بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء .
الأساس الثانى ( الأخوة بين المسلمين )
ثم إن الرسول صلى اله عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ' آخى بينهم على الحق و المواساة ' وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ' بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم .
فجعل جعفر ابن أبى طالب ومعاذ ابن جبل أخوين ' وجعل حمزة ابن عبد المطلب وزيد ابن حارثة أخوين ' وجعل أبا بكر الصديق رضى الله عنه وخارجة ابن زهير أخوين ' وعمر ابن الخطاب وعتبان ابن مالك أخوين ' وعبد الرحمن ابن عوف و سعد ابن الربيع أخوين وهكذا
ثم ربط النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا التآخى بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة و الموالاة ' كما سنجدها فيما بعد .
وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضًا ' وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه المظاهر المادية . وظلت عقود هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة الى موقعة بدر الكبرى ' حيث نزل في أعقابها قول الله تعالى: ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شىء عليم ) فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث ' ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوى رحمه ' وأصبح المؤمنون كلهم إخوة .
روى البخارى عن ابن عباس قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجرىّ الأنصارىّ دون ذوى رحمة للأخوة التى آخى النبى - صلى الله عليه وسلم - بينهم ' فلما نزلت: ( ولكل جعلنا موالى ) نسخت ' ثم قال: ( والذين عاقدت أيمانكم ) أى من النصر و الرفادة و النصيحة وقد ذهب الميراث .
العبر و الدلائل:
وهذا هو الأساس الثانى الذى اعتمده الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سبيل بناء المجتمع الإسلامى و الدولة الإسلامية 'وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية:
أولًا: إن أى دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها ' ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي و المحبة المتبادلة فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخى الحقيقية لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما ' وما لم يكن الإتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة .
على أن التآخى أيضًا لابد أن يكون مسبوقًا بعقيدة يتم اللقاء عليها و الإيمان بها ' فالتآخى بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى ' خرافة ووهم ' خصوصًا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية .
ومن أجل ذلك ' فقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أساس الأخوة التى جمع عليها أفئدة أصحابه ' العقيدة الإسلامية التى جاءهم بها من عند الله تعالى و التى تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأى فارق إلا فارق التقوى و العمل الصالح ' إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء و التعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد و الأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكًا لأنانيته وأثرته وأهوائه
ثانيًا - إن المجتمع - أى مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتثرة مفككة ' بشىء واحد ' هو قيام مبدأ التناصر و التعاون فيما بين أشخاص هذا المجتمع ' وفى كل نواحى الحياة و مقوماتها ' فإ، كان هذا التعاون و التناصر قائما طبق نظام العدل و المساواة فيما بينهم ' فذلك هو المجتمع العادل السليم ' وإن كان ذلك قائما على الحيف و الظلم ' فذلك هو المجتمع الظالم المنحرف .
وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة و الرزق ' فما الذى يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟
إن الضمانة الطبيعية و الفطرية الأولى لذلك ' إنما هى التآخى و التوادد يليها بعد ذلك ضمانة السلطة و القانون ' فما أرادت السلطة أن تحقق مبادىء العدالة بين الأفراد ' فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من المحبة و التآخى فيما بينهم ' بل إن هذه المبادىء لاتعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ' ومن شان الأحقاد و الضغائن أن تحمل على طيها بذور الظلم و الطغيان في أشد الصور و الأشكال من أجل هذا إتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حقيقة التآخى الذى أقامه بين المهاجرين و الأنصار أساسًا لمبادىء العدالة الاجتماعية التى قام على تطبيقها أعظم و أروع نظام اجتماعى في العالم ' ولقد تدرجت مبادىء هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة ' ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك الأرضية الأولى ' ألا وهى الأخوة الإسلامية ' ولولا هذه الأخوة العظيمة التى تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية ' لما كان لتلك المبادىء أى أثر تطبيقى وإيجابى في شد أزر المجتمع الإسلامى ودعم كيانه .
ثالثًا: المعنى التفسيرى الذى صاحب شعار التآخى:
لم يكن ما أقامه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه من مبدأ التآخى مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم ' وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين المهاجرين و الأنصار ' ولذلك جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الأخوة ' وكانت هذه المسؤولية تؤدى فيما بينهم على خير وجه ' وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد ابن الربيع الذى كان قد آخى الرسول بينه وبين عبد الرحمن ابن عوف ' إذ عرض على عبد الرحمن ابن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية ' ولكن عبد الرحمن ابن عوف شكره وطلب منه أن يرشده الى سوق المدينة ليشتغل فيها ' ولم يكن سعد ابن الربيع منفردًا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ' بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم مع بعض ' خصوصًا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما بينهم .
ولذلك أيضًا ' جعل الله سبحانه وتعالى حق الميراث منوطًا بهذا التآخى ' دون حقوق القرابة و الرحم ' فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين ' وأن يعلموا أن ما بين المسمين من التآخى و التحابب ليس شعارًا وكلامًا مجردين ' وإنما هى حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة تكون أهم أسس نظام العدالة الاجتماعية .