أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة ' فيما بعد ' فهى أن نظام الميراث الذى استقر أخيرًا ' إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين ' إذ لا توارث بين دينين مختلفين ' إلا في الفترة الأولى من الهجرة وضعت كل من الأنصار و المهاجرين أمام مسئولية خاصة من التعاون والتناصر و المؤانسة ' بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفًا على إخوانهم الأنصار في المدينة ' فكان ما أقامه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التآخى بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسئولية ' ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون التآخى أقوى في حقيقته وأثره من أخوة الرحم المجردة .
فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها ' وغدت الروح الإسلامية هى وحدها العصب الطبيعى للمجتمع الجديد في المدينة ' أصبح من المناسب انتزاع القالب الذى كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين و الأنصار إثر إلتقائهم في المدينة ' إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك و التميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة ' ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرًا زائدًا على قرابة الإسلام وأخوته . ' ثم إن هذا التآخى الذى عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقًا بمؤاخاة أخرى أقامها النبى - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين في مكة ' قال ابن عبد البر: ( كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة ' وذلك بمكة ' ومرة بين المهاجرين و الأنصار ) .
وهذا ما يؤكد لنا أن مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام ' غير أنها احتاجت الى تجديد و تأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها و بسبب اجتماع المهاجرين و الأنصار في دار واحدة .
فهى ليست في الحقيقة شيئًا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة ' وإنما هى تأكيد لها عن طريق التطبيق .
الأساس الثالث ( كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم )
وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبى - صلى الله عليه وسلم - مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة روى ابن هشام أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب ' ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ' عدا أفراد في قبيلة الأوس ' فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا بين المهاجرين و الأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ' وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم .
وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد ' وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد ابن جناب ابن الوليد ' ثنا عيسى ابن يونس ' ثنا كثير ابن عبد الله ابن عمرو المزنى عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار ' فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق ' وذكر الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال: حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابًا بين المهاجرين و الأنصار الخ
ونحن لن نأت بنص الكتاب كله ' فهو طويل ' ولكننا نجتزىء منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة و السلام ' كى نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع الإسلامى ودولته الناشئة في المدينة ' وهذه هى البنود مرتبة حسب ترتيبها في نص الكتاب نفسه:
1-المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم ' أمة واحدة من دون الناس
2-هؤلاء المسلمون جميعًا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم ' ويفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المؤمنين .
3-إن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه في فداء أو عقل .
4-إن المؤمنين المتقين ' على من بغى منهم أو إبتغى دسيعه ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين ' وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم .
5-لا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر ' ولا ينصر كافر على مؤمن .
6-ذمة الله واحدة ' يجبر عليهم أدناهم ' والمؤمنون بعضهم موالى بعض دون الناس .
7-لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة وآمن بالله و اليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو أن يؤويه ' وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله و غضبه يوم القيامة لا يؤخذ منه صرف ولا عدل .
8-اليهود ينفقون مع اليهود ما داموا محاربين .
9-يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين ' لليهود دينهم ' وللمسلمين دينهم ' إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته .
10-إن على اليهود نفقتهم ' وعلى المسلمين نفقتهم ' وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
11-كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ' فإن مرده الى الله عز وجل و إلى محمد رسول الله.
12-من خرج من المدينة أمن ومن قعد أمن ' إلا من ظلم وأثم .
13-إن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره ' وإن الله جار لمن بر واتقى .
العبر و الدلائل:
لهذه الوثيقة دلالات هامة تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامى ونلخصها فيما يلى:
1-إن كلمة الدستور هى أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة ' وهى إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أى دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل و الخارج: أى فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة مع بعض ' وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين . وحسبنا هذا الدستور الذى وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوحى من ربه واستكتبه أصحابه ' ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود - حسبنا ذلك دليلًا على أن المجتمع الإسلامى قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة ' وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاج إليه الدولة من المقومات الدستورية و الإدارية ' وظاهر ان هذه المقومات ' أساس لابد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع . ' إذ هى في مجموعها إنما تقوم على فكرة واحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى ' ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستورى الذى أوجده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ' على أنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها . ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية ' ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينًا قوامه ما بين الإنسان وربه ' وليس له من مقومات الدولة و التنظيم الدستورى شىء .
وهى أحبولة عتيقة ' كان يقصد منها محترفو الغزو الفكرى وأرقاء الاستعمار أن يقيدوا بها الإسلام كى لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ' ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى ' إذ الوسيلة الى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينًا لا دولة ' وعبادات مجردة لا تشريعًا و قوانين ' وحتى لو كان الإسلام دينًا ودولة في الواقع ' فينبغى أن يتقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول .
غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعًا ' لسوء حظ أولئك المحترفين ' وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد و الضغائن .
ولكن مهما يكن فينبغى أن نقول ' ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة: إن مولد المجتمع الإسلامى نفسه إنمكا كان ضمن هيكل متكامل للدولة ' وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته و أطرافه ' وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك .
وهذا مع غض النظر عن قيمة الأحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع و أجزاء إذا ضمت الى بعضها تكون منها تنظيم متكامل لبناء دستورى وإدارى عظيم .
2-إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التى اتسمت بها معاملة النبى - صلى الله عليه وسلم - لليهود ' ولقد كان بالإمكان أن تؤتى هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين و اليهود ' لو لم يتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر و الغدر و الخديعة ' فما هى إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعًا بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التى التزموا بها ' فخرجوا على الرسول و المسلمين بألوان من الغدر و الخيانة سنفصل الحديث عنها في مكانها المناسب إن شاء الله تعالى ' فكان المسلمون بذلك في حل مما التزموا به تجاههم .
3-دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلى:
أولًا: يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذى يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذى يجعل منهم أمة واحدة ' وعلى أن جميع الفوارق و المميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة ' تفهم هذا جليًا واضحًا في قوله عليه الصلاة و السلام ( المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ' أمة واحدة من دون الناس ) وهو أول أساس لابد منه لإقامة مجتمع إسلامى متماسك سليم .
ثانيًا: يدلنا البند الثانى و الثالث على أن من أهم سمات المجتمع الإسلامى ظهور معنى التكافل و التضامن فيما بين المسلمين بأجلى صوره وأشكاله ' فهم جميعًا مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم ' وإن عامة أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية ' وتحدد الطرائق التنفيذية لمبدأ التكافل و التضامن فيما بين المسلمين .
ثالثًا: يدل البند السادس على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث أنها شعار براق للدعاية و العرض ' بل من حيث إنها ركن من أركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامى ' يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة ' وحسبك مظهرًا لتطبيق هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبى - صلى الله عليه وسلم - في هذا البند بقوله: ( ذمة الله واحدة ' يجير عليهم أدناهم ) ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أيًا كان محترمة ' وجواره محفوظ لا ينبغى أن يجار عليه فيه ' فمن أدخل من المسلمين أحدًا في جواره ' فليس لغيره حاكمًا أو محكومًا أن ينتهك حرمة جواره هذا ' والمرأة المسلمة لا تختلف في هذا عن الرجل إطلاقًا ' فلجوارها - أيًا كانت - من الحرمة ما لا يستطيع أن ينتهكه أى إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته ' وذلك بإجماع عامة العلماء وأئمة المذاهب .
روى الشيخان وغيرهما أن أم هانىء بنت أبى طالب ذهبت الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح فقالت: يا رسول الله زعم ابن أمى علىّ أنه قاتل رجل أجرته: فلان ابن هبيرة ' فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء .
وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التى نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله ' وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية و الاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء ' مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التى أرستها شريعة الإسلام ' والمظاهر التقليدية لها مما ينادى به عشاق المدنية الحديثة اليوم ' تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة ' يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساءً ورجالًا ' أفرادًا و جماعات ' وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن ' دون أى نظر إلى شىء آخر .
رابعًا: يدلنا البند الحادى عشر على أن الحكم العدل الذى لا ينبغى للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره ' في سائر خصوماتهم و خلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ' ومهما بحثوا عن الحلول لمشاكلهم في غير هذا المصدر فهم آثمون ' معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة .
تلك هى أربع' أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التى أقام عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدولة الإسلامية في المدينة وجعلها منهاجا لسلوك المسلمين في مجتمعهم الجديد ' وإن فيها لأحكامًا هامة أخرى لا تخفى لدى التأمل و النظر فيها .
ومن تطبيق هذه الوثيقة 'والاهتداء بما فيها ' و التمسك بأحكامها ' قامت تلك الدولة على أمتن ركن وأقوى أساس ' ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدم للناس أروع ما عرفته الإنسانية من مظاهر الحضارة و المدنية الصحيحة . (( من فقه السيرة للبوطي)
ــــــــــــ