فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 205

أخرج البخاري عن أنس: (( أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُاللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ قَالَ هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ) (93) .

أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) ) (94) ، والمراد بالعشرة يعني من أسيادهم، وإلا فقد أسلم منهم أكثر من عشرة (95) .

أخرج أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم من طريق زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: (( لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة انجفل الناس إليه، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب... ) )الحديث (96) .

وقال البخاري في التاريخ الصغير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: (( إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: جاء محمد، فننطلق فلا نرى شيئًا، حتى أقبل وصاحبه، فكمنا في بعض خرب المدينة وبعثا رجلًا من أهل البادية يؤذن بهما، فاستقبله زهاء خمسمائة من الأنصار فقالوا: انطلقا آمنين مطاعين... ) )الحديث (97) .

وفي حديث أبي أيوب عند الحاكم وغيره: (( أنه أنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفل ونزل هو وأهله في العلو، ثم أشفق من ذلك، فلم يزل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تحول إلى العلو ونزل أبو أيوب إلى السفل ) )ونحوه في طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس عند أبي سعيد في (( شرف المصطفى ) )وأفاد ابن أسعد أنه أقام بمنزل أبي أيوب سبعة أشهر حتى بنى بيوته (98) .

أخرج الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} قَالَ: (( تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلِ اقْتُلُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ أَخْرِجُوهُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَخَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَقَالُوا أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا قَالَ لَا أَدْرِي فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلِّطَ عَلَيْهِمْ فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَمَرُّوا بِالْغَارِ فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالُوا لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ) ) (99) .

قال ابن كثير: (( وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار وذلك من حماية الله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ) (100) .

وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أن أبا جهل كان يقف محرضًا للمحاصرين لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن محمدًا يزعم أنكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها ) ) (101) .

قال ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: (( لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لأراه فجعكم بماله ونفسه، قالت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة من البيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقالت: ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، في هذا بلاغ لكم، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أسكن الشيخ ) ) (102) .

أما خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذر التراب على رؤوس المحاصرين: فقد أخرجه ابن إسحاق بدون إسناد (103) .

قصة أم معبد:

وطرقها ما بين ضعيفة وواهية إلا طريقًا واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها: (( لما انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسبه: فما تلك الشاة؟ فأتى بها، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبركة عليها، ثم حلب عُسًّا فسقاه، ثم شربوا، فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم ليقولون، قال: أشهد أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك، قال: لا حتى تسمع أنّا قد ظهرنا، فاتبعه بعد ) ) (104) .

الترتيبات والاحتياطات التي اتخذت للهجرة:

لقد جاءت خطة الهجرة والترتيب لها في غاية الإحكام والدقة في أخذ الحيطة وقد تمثلت في النقاط التالية:

1-اختيار الصاحب المناسب وهو أبو بكر الصديق اختاره من بين جميع الصحابة كما في البخاري.

2-التعريض له بالخبر، فلم يقطع له النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر الصحبة في الهجرة وإنما قال: (( لعل الله يجعل لك صاحبًا ) )كما في البخاري.

3-إعداد راحلتين قبل مدة طويلة من الهجرة، إذ لو اشترى الراحلتين قبيل الهجرة فربما لفت أنظار قريش إلى ذلك، وماذا يريد أبو بكر بهاتين الراحلتين إلا لأمر بيته مع محمد؟ وبخاصة بعد تفاقم الأزمة واشتداد الوحشة بعد بيعة العقبة الثانية، وهذه رواية البخاري.

4-دفع الراحلتين إلى الدليل قبل الهجرة، كما في البخاري.

5-زيارة أبي بكر كل يوم، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئه يوم أن يأتي أبا بكر غدوة وعشية، وعلى هذا لم يكن الأمر غريبًا على قريش في مجيئه إليه وقت التخطيط للهجرة، كما في البخاري.

6-تغيير الوقت المعتاد للزيارة، ولعل ذلك بسبب الرصد من قبل قريش لزياراته في الوقت المعتاد، كما في البخاري.

7-اختيار الوقت المناسب للزيارة وهو وقت الظهيرة حيث يستظل الناس ويكونون في بيوتهم، كما في البخاري.

8-الخروج إلى أبي بكر متنكرًا بالقناع حتى لا يعرف، كما في البخاري.

9-الإسرار لأبي بكر بخبر الهجرة، وكتمان ذلك عن أهل بيته في بداية الأمر حيث قال له: أخرج من عندك، كما في البخاري.

10-الإسراع في إعداد الزاد وتجهيزه، كما في البخاري.

11-مبيت علي على الفراش، كما في المسند لأحمد.

12-الخروج من خوخة في ظهر بيت أبي بكر ولم يخرجوا من الباب المعتاد، كما في رواية ابن إسحاق.

13-الخروج من الطريق المعاكس لطريق المدينة، فالأصل أن يخرجوا من جهة الشمال حيث طريق المدينة، فخرجوا جهة الجنوب، كما في البخاري.

14-اختيار الغار حيث البعد عن الأنظار للاختفاء فيه، كما في البخاري.

15-البقاء في الغار ثلاثة أيام حتى يسكن الطلب عنهما، كما في البخاري.

16-التخطيط للتعرف على كيد العدو ومتابعته وإعطاء هذا الأمر أهمية كبيرة.

17-اختيار الرجل المناسب لهذه المهمة في متابعة أخبار قريش وترتيباتها للقبض عليهما، فقد اختاروا شابًا قد لا يلفت نظرهم، ويمتاز بالذكاء والفطنة فيلتقط كل خبر ولا يفوته شيء، كما في البخاري.

18-متابعة الأخبار أولًا بأول حيث يأتي بالخبر كل يوم، فالحدث لا يستحمل التأخير أكثر من هذا، كما في البخاري.

19-ترتيب مجيء المخبر وانصرافه، سواء في وقت المجيء والانصراف، أو في طريقة الذهاب والإياب، كما في البخاري.

20-إسناد مهمة الإتيان باللبن للرجل المناسب وهو الراعي عامر بن فهيرة، كما في البخاري.

21-ترتيب حضور عامر بن فهيرة وانصرافه، كما في البخاري.

22-اتباع عامر بن فهيرة أثر عبد الله بن أبي بكر بالغنم حتى تعمي أثره، كما هو عند ابن إسحاق.

23-اختيار الدليل ذي الكفاءة العالية، كما في البخاري.

24-الخروج من الغار آخر الليل، كما في البخاري وعند موسى بن عقبة.

25-سلوك طريق غير الطريق المعتاد للمدينة، كما في البخاري.

26-اصطحاب عامر للخدمة.

27-مواصلة السير بدون توقف، كما في البخاري.

28-تأخير وقت الراحة، كما في البخاري.

29-حمل أبي بكر جميع ماله، ومن فوائد ذلك أن أبا بكر كان رجلًا غنيًا فربما لحقهم الطلب فاستطاع أن يفدي أنفسهما بذلك المال، وكان مبلغًا كبيرًا قدر بخمسة آلاف، كما عند ابن إسحاق، وتقدير المبلغ رواه أحمد والحاكم.

الدروس والعظات من الهجرة:

1-تقدم إسلام آل أبي بكر (( لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ) ).

2-اهتمام أبي بكر بأهل بيته وإصلاحهم والبدء بهم قبل غيرهم.

3-منزلة أبي بكر من النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلته الوثيقة به، ومعايشته لأمر الدعوة منذ بزوغ فجرها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يزوره كل يوم مرتين.

4-إن تفكير أبي بكر في الخروج من مكة مهاجرًا لوحده مع منزلته وأهميته للدعوة وصلته الوثيقة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ليكشف عن مدى الأذى والشدة التي تلحقها قريش بالمسلمين، هذا مع أن أبا بكر من الأشراف ومن الذين يجدون منعة في قومهم فكيف بالضعفاء والعبيد!!.5- أن أمن الدين هو الأصل عند المسلم فإن وجد عليه خطرًا دفع بلده وماله وأهله حماية لدينه، ولهذا خرج أبو بكر مهاجرًا وحده تاركًا كل شيء خلف ظهره يطلب الأمان لدينه ودعوته.

6-بلد المسلم ووطنه هو الذي يتمكن فيه من إظهار دينه ودعوته فيه، ولهذا خرج أبو بكر على الرغم من أفضلية بلده على سائر البلدان، وعلى المسلم أن لا يركن إلى الذل والهوان بل يعمل تفكيره في الخروج من الحصار المضروب على دينه ودعوته، ويبحث عن موطن موافق أو مسالم لها، حتى يتمكن من تحقيق عبوديته لله تعالى.

7-التقارب والتشابه بين صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصفات أبي بكر، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قالت له خديجة: (( كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف... ) )وأبو بكر يقول له ابن الدغنة: (( مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف... ) ).

8-ينبغي للمسلم أن ينافس على خصال الخير المتعدية فإن هذا أدعى لرضا الله تعالى عنه، وقبول الخلق ما لديه، وكما قيل في وصف أهل السنة والجماعة (( أعلم الناس بالحق وأرحمهم للخلق ) )ونفع الناس أعظم من نوافل العبادات (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ ) ) (105) .

9-إن الأعمال المتعدية تكسب الثقة والمنزلة في قلوب الناس مهما كانوا، فالناس لا ينظرون إلى العبادات الشخصية بقدر ما يراعون تجاوب الرجل مع مشاكلهم، ومشاركته الفاعلة في حياتهم.

فأبو بكر كسب ثقة ابن الدغنة وهو مشرك، فأجاره ورد على قريش على ملأ منهم، ولم يستطيعوا التنكر لذلك لشهرة تلك الصفات عن أبي بكر.

10-تقدير العرب للعادات الكريمة والصفات الحميدة وقيام العظماء والشرفاء في صف صاحبها، وهذا يفسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ) (106) ، وقول الله تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124) .

11-الاستفادة من تقاليد المجتمع وأنظمته في خدمة الدعوة بما لا يتعارض مع أوامر الله ورسوله، فقد تجاوب أبو بكر مع ابن الدغنة، واستفاد من جواره، ورجع إلى بيته.

12-مصادرة صوت الحق وتجفيف منابعه، فالكفار لم يكتفوا بتشويه صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه، وبث الدعايات الكاذبة عليهم، وإيراد الإيرادات الواهية على منهجه وتعاليمه، لأنهم يعلمون أن الناس ليس كلهم إمعات يقبلون كل ما يقال لهم، بل إن أول الناس بعدًا عن الاقتناع بطرحهم هم أبناؤهم ونساؤهم، فالدعايات لا تغير كل قناعات الناس، ولهذا وعلى الرغم من تلك المحاربة الإعلامية والعقبات الكبيرة التي وضعتها قريش أمام الدعوة، فإنها تخشى على أبنائها ونسائها من سماع صوت الحق فيقتنعوا به.

13-الكفار وأهل الباطل يصادرون حريات التفكير ولا يجعلون للناس مجالًا للاختيار، أو فرصة في المعرفة، بل يعتبرون سواهم ليسوا على مستوى معرفة المصالح والمفاسد، ويجعلون لهم وحدهم تلك المعرفة وما على المجتمع إلا اتباعهم والانقياد لما يرسمون ويخططون لهم، فهم يفكرون عنهم ويوقعون بالنيابة عنهم ويسالمون ويعادون بالوكالة!! وإلا فيا معشر قريش أليس أبناؤكم وعبيدكم ونساؤكم منكم فلِمَ تمنعونهم من سماع صوت الحق أم ليسوا على مستوى النقد والتمييز مثلكم.

وفي هذا درس لأهل العلم والدعوة، فلا ينبغي أن يضيرهم تشويه صورتهم وإيذاؤهم، ومصادرة حرياتهم وكلماتهم، فيسري إليهم اليأس فيتصوروا عدم قبول الناس لهم بسبب تلك الدعايات المضللة، فهاهم أبناء قريش ونساؤهم يغدون على أبي بكر لسماع القرآن الذي طالما سمعوا الكلام الباطل فيه وطالما حاولت قريش التشويش عليه!!.

فمهما بلغت دعايات أهل الباطل واتهاماتهم ومحاربتهم للدين وللدعوة فإن للحق طلابًا، والناس ليس كلهم إمعات يقبلون كل ما يقال لهم، فدعايات الباطل لم تؤثر في نساء قريش وأبنائهم فضلًا عن الآخرين.

14-الجهر بالحق والدعوة إليه هو الأصل في هذا الدين، والاستسرار والكتمان والاختفاء بالعبادة طارئ يلجأ إليه لوقت محدود، ولظرف طارئ، ولمصلحة راجحة، أما أن يبقى المسلم دائمًا مختفيًا فهذا يتنافى مع دعوته التي أمر أن يخرج الناس بها من الظلمات إلى النور، وإن تعرض للأذى، ولهذا بنى أبو بكر مسجدًا بفناء بيته واستعلن في صلاته وقراءته.

15-إن جميع الكفار في كل العصور على اختلاف مللهم ونحلهم لا يمانعون من قيام الرجل بعبادة فردية داخل منزله ولا يعلن بذلك، لأنهم يعلمون زيف معتقدهم وفساد منهجهم وضمور آرائهم، وأنه يمكن تحطيمها بمجرد الإعلان بقراءة القرآن بفناء البيت، فمبادئهم لا تقف لحظة أمام الحق، كالظلام الضارب أطنابه على الأرض سرعان ما ينقشع أمام شعلة النور.

16-لقد فزعت قريش من تأثر الناس بأبي بكر وصلاته وهو لا يملك أي وسيلة إعلامية، ولم يتقدم بدعوة أحد، أو يعقد مجلس مناظرة أو حوار مع ذرياتهم.

17-وصف الكفار وأهل الباطل لكل ما يخالف هواهم ومذهبهم بأنه فتنة للناس، قالت قريش عن أبي بكر: (( فإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا ) )فأبو بكر يثير الفتن في مفهوم قريش العقيم، فالكفار لا يبالون بالتزوير وتغيير الحقائق وإطلاق الألفاظ غير المحسوبة على ما يشاؤون، وإلا متى كان الحق والخير والصلاح فتنة للنساء والأبناء.

18-يعتبر من صلى جهارًا وقرأ القرآن علانية ولوكان داخل فناء منزله قد تعدى وتجاوز في نظر قريش فترفع لابن الدغنة احتجاجها بأن أبا بكر: (( قد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره ) ).

19-عجبًا لأهل الباطل لا يكفيهم حكم الأرض ومن عليها، بل يرون أن لهم الحق حتى في تفكير الناس وآرائهم وليس لهم الحق حتى في قراءاتهم في منازلهم، فقريش لن تقر لأبي بكر أن يقرأ بفناء بيته ولنفسه، فهي تقول لابن الدغنة: (( ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان ) )وقد أراد فرعون أن يتحكم في القلوب كما قال للسحرة لما آمنوا: في قوله تعالى: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} .

20-يضفي أهل الضلال القداسة على مبادئهم وعاداتهم وتقاليدهم الباطلة، ويوقعون العقوبة على من خالفها، ولكن متى بدت لهم مصلحة أو لاح لهم في الأفق منفعة ضربوا بأنظمتهم عرض الحائط، وعندهم استعداد للانقسام والانشطار متى ما تعرضت مصالحهم للخطر، فعند ذلك فلا عهد ولا ذمة وإن كان المخالف من الرفاق والأصحاب، فهذه قريش تنوي خفر ذمة ابن الدغنة ونبذ عهده لمجرد مخالفة بسيطة في المعاهدة، فبدلًا من أن يصلي أبو بكر داخل البيت صلى في فناء البيت، فطلبوا ابن الدغنة وقالوا له في صيغة التهديد: (( فإنا كرهنا أن نخفرك ) ).

21-قد يقوم فاجر بالحدب على المسلم والدفاع عنه وقد يبدي احترامه لفكرته أو رأيه، ولكن مما ينبغي التفطن له أن هذا لا يكون إلا بصورة محدودة وبما لا يتعارض مع مصلحته وسمعته، وأنه عنده الاستعداد للتخلي عن حمايته بمجرد تعرض سمعته إلى خطر، فهذا ابن الدغنة لما هددته قريش بسمعته طلب من أبي بكر رد جواره وقال له:"فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له"

22-التوكل على الله والانتصار به والالتجاء إليه والثقة بنصره هو معتقد المسلم الذي لا يفارقه أبدًا، مع الشجاعة ونبذ الخوف من المخلوقين ما دام يأوي إلى ركن شديد قال أبو بكر لابن الدغنة (( أرد جوارك وأرضى بجوار الله ) )قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3) ، وقال: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ} (إبراهيم: 12) ، وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} (الفرقان: 58) ، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) (107) .

23-لقد أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالهجرة ولم يختر صاحبًا له في الهجرة غير أبي بكر، وفي هذا دلالة على عظم الصلة وقوة الرابطة بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم: (( على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي ) ).

24-لقد تجهز أبو بكر للهجرة ثانية بنفسه إلى المدينة، ولكن بعدما عرّض له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصحبة جلس وتحمل الأذى والعنت والتعب من قريش طاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورغبة في مصاحبته (( فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه ) ).

25-مبادرة أبي بكر في الترتيب لأمر الهجرة، وبذل المال في خدمة دعوته بدون طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قام مباشرة بعد تعريض الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالصحبة بتعليف راحلتين كانتا عنده، إذ مثل هذا من بدهيات الهجرة فلا تحتاج إلى أمر يتلقاه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يربيهم تربية العبيد تربية الخنوع وإلغاء العقل مع المتبوع.

26-مقابلة التخطيط بالتخطيط، والتنظيم بالتنظيم، والترتيب بالترتيب، فقريش تخطط وترتب للإيقاع بالدعوة، بينما الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطط ويرتب للنجاة بها، وهذا يوضح أن الاستسرار فيما يخدم الإسلام بما لا يتعلق به بلاغ ولا بيان ولا يترتب على إسراره كتمان للدين أو سكوت عن حق من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولا يتعارض التخطيط وأخذ الحيطة مع التوكل على الله تعالى، لأن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل على الله تعالى.

27-وإن من أعظم مظاهر التضحية في هذه الهجرة أن يغادر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون هذا البلد الأمين الحبيب إلى قلوبهم -بل وإلى قلوب جميع المسلمين- مغادرة يعلمون أن لا استقرار لهم فيه بعدها، وهذا من أشق الأمور على النفس، ولكن رجال العقيدة يسترخصون في سبيلها كل غال.

ولقد عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى -معنى صعوبة مغادرة مكة وفراقها فراقًا لا سكنى بعده- في العديد من المواقف المؤثرة.

عن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفًا على الحَزْورة (108) فقال: (( والله والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) ) (109) .

28-تربية أبي بكر رضي الله عنه لأسرته على الأمانة ونصرة هذا الدين وإحاطته وحفظه وبذل ما يملكون في سبيل ذلك، وكان واثقًا أتم الثقة بتربيته فقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أمره بإخراج من عنده: (( لا عين عليك ) (( إنما هم أهلك يا رسول الله ) ).

29-الرغبة في مصاحبة أهل الخير مهما ترتب على ذلك من أخطار، قال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم: (( الصحبة يا رسول الله ) ).

30-منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند أبي بكر أوصلته إلى البكاء من الفرح لما أخبره بمصاحبته في الهجرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت