وفي رواية أحمد: "فلو أن تنينًا منها نفخت في الأرض ما أنبتت خضرًا" (١) .
وفي رواية أخرى: "يفتح له باب إلى النار، وتسلط عليه عقارب وتنانين، لو نفخ أحدهم على الدنيا ما أنبتت شيئًا، تنهشه، وتؤمر الأرض فتضم عليه، حتى تختلف أضلاعه" (٢) .
وفي هذه الأحاديث إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأنكر ذلك ضرار بن عمرو (٣) وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: ٥٦] أي: لا يذوقون في الجنة موتًا سوى الموتة الأولى، ولو صاروا أحياء في القبور لذاقوا مرتين لا موتة واحدة، وبقوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) } [فاطر: ٢٢] فإن الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع. هذا من جهة النقل.
وأما من جهة العقل فقالوا: إنا نرى شخصًا يصلب ويبقى مصلوبًا إلى أن تذهب أجزاؤه ولا نشاهد فيه إحياء ومساءلة، والتوهم بهما مع المشاهدة سفسطة ظاهرة، وأبلغ منه من أكلته السباع والطيور وتفرقت أجزاؤه في بطونها وحواصلها، وأبلغ منه من أحرق حتى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة في الرياح العاصفة شمالًا وجنوبًا وقبولًا ودبورًا، فإنا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضرورة (٤) .