فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 303

وسب أحد الأمراء ، المعري أبا العلاء ، وهجاه أشد هجاء ، وسب أستاذه سيد الشعراء ، فقال أبو العلاء: لا تسبه أيها الأمير ، فإنه شاعر قدير ، ولم يكن له إلا قصيدة،

لك يا منازل في القلوب منازل

أقفرت أنت و هن منك أواهل

ففهم الأمير ماذا يريد ، لأنه قصد آخر القصيد ، وهي قوله:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ

فهي الشهادة لي بأني كاملُ

ولما زار أبو جعفر المنصور المدينة طلب شيخًا كبيرا ، وجعله عنده أجيرا ، يخبره ببيوت المهاجرين والأنصار ، فدار به إلى آخر النهار ، ولم يعطه مالا ، ونسيه إهمالا ، فقال الشيخ يا أمير المؤمنين: هذا بيت الأحوص الشاعر المبين القائل:

يا بيت عاتكة الذي اتعزل

حذر العدا وبك الفؤاد موكّل

فتذكر أبو جعفر القصيدة ، وهي فريدة مجيدة ، يقول في آخرها:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم

مذق الكلام يقول ما لا يفعلُ

ففهم المراد ، وأعطى الشيخ الزاد .

أقبل عالم كبير القدر ، ظاهر الأمر ، على شاعر قاعد ، فقام لهذا العالِم الوافد ، وكان العالم يرى أن القيام للقادم باطل ، ولو أن القادم رجل كامل ، فقال للشاعر دع القيام ، فأنت لا تلام ، فقال الشاعر:

قيامي والإله إليك حق

وهل رجل له لب وعقل

وترك الحق ما لا يستقيمُ

يراك تسير إليه ولا يقومُ

وفد شاعر على وزير خطير ، بالمكرمات شهير ، فلما أبصر جلبابه ، وشاهد حُجّابه ورأى أصحابه هابه ، فأراد أن يقول مساك الله بالخير ، قال من شدة الخجل ، ومن دهشة الوجل: صبحك الله بالخير ، فقال الأمير: أصباح هذا أم مساء ، أم تريد الاستهزاء ، فقال الشاعر بلا إبطاء:

صبحته عند المساء فقال لي

ماذا الصباح وظنَّ ذاك مزاحا

فأجبتُه إشراق وجهك غرني

حتى تبينت المساء صباحا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت