وتذكرك مكة يوم انفجر الفجر ، وارتفع الذكر ، ومحق الكفر، يوم أنصتت الدنيا بأُذن سميعة ، وأقبل الدهر بخطًا سريعة ، وانتفض الكون للكلمة الخالدة ، واهتز العالم بالدعوة الراشدة ، لا إله إلا الله ، لا معبود بحق سوى الله ، لا بقاء إلا لله ، وتذكرك مكة بالوحي وهو يتنزّل ، والقرآن وهو يرتّل ، وجبريل الروح ، يغدو ويروح ، وباب الرحمة المفتوح ، والعطاء الرباني الممنوح ، فيالها من ذكريات يهتز لها الجسم ذرة ذرة ، ويقوم لها الرأس شعرة شعرة ، ويا لها من صيحة دوّت في العالم فاستيقظ بها كل نائم ، واهتدى بها كل هائم ، ويا له من خبر طرق الكون فصحا ، ومحق الشرك ومحا .
توقف الزمان منصتًا ، وسُلَّ سيف الجهاد مصلتًا .
هنا الأماني هنا الأمجاد قد رفعت
هنا المعالي هنا القربى هنا الرحمُ
هنا القلوب استفاقت من معاقلها
هنا النفوس أتت للحق تزدحمُ
هنا رواء هنا فجر هنا أمل
هنا كتاب هنا لوح هنا قلمُ
التعبير يخون ، والنفس فيها شجون ، والذاكرة بالصور موّارة ، ونور الحديث قد نصب في القلب منارة ، إذا ذكرت مكة ذكر غار حراء ، والشريعة الغراء ، والوحي والإسراء ، فكأن التأريخ حضر ، وكأن الزمان اختصر ، وكأن الدنيا كلها في مكة محصورة ، وكأن الأيام في أجفان مكة مقصورة .
مكة ملاعب الصبا والشباب ، لصاحب السنة والكتاب ، فيها مسقط رأسه ، وفضاء أنفاسه ، فيها مراتعه ، ومرابعه ، ومهاجعة .
هذي بلادي وهذي منتهى أملي
هذا التراب الذي أهديته زجلي
هذا المكان به ميلاد قدوتنا
هذا رياض الهدى والسادة الأُوَلِ
كيف نعبر عن أشواقنا ، وقد سافر حبه في أعماقنا ، لأنه صلى الله عليه وسلم أملنا المنشود ، ومجدنا المحمود:
في كفك الشهم من حبل الهدى طرف
طرف
على الصراط وفي أرواحنا طرفُ
هيهات رحلة مسرانا جحافلنا
كما عهدت وعزمات الورى أنفُ