في مكة رؤوس بالأنفة متزاحمة ، وجيوش للثأر متلاطمة ، أفكار وحضارات ، ونواد ومحاضرات ، سير وسمر ، في ضوء القمر ، أنباء وأخبار ، قصص وأشعار، حتى كان النبأ العظيم ، وهو الرسول الكريم ، فيصغر بعده كل خبر ، وينسى من جاء ومن غبر ، فهو أعظم أثر ، جاءت به السير .
نسخت كل دواوين المكارم ما
ما
خط الأنام برسم اللوح والقلمِ
فالشمس والقمر المنشق قد خضعت
لنور وجهك من حسن ومن كرمِ
يوم بعث استدار له الزمان ، وأنصَت له الثقلان ، وتشاغلت به الأقلام ، ورحبت به الأيام ، وأنصت له الأنام ، فهو ابن مكة البار ، وبطلها المغوار ، ورسولها المختار .
إذا أقبلت على البلد الحرام ، فتذكر ذاك الإمام ، عليه الصلاة والسلام .
مكة تذكرك البأساء والنعماء ، والنور والظلماء ، والسعادة والشقاء .
مكة كتاب مفتوح ، وسِفْر مشروح ، يجمع بين أحاديث النجاة والخسران ، والكفر والإيمان ، والعدل والطغيان ، تذكرك مكة الشرك الكالح ، والجهل الفاضح ، والوهج اللافح ، يوم كانت الأوثان تُقدَّس ، والأصنام تأسس ، تسجد لها النفوس الخاوية ، والعقول الجافية ، يوم غاب الرشد ، وأفل السعد ، وغرب الميثاق والعهد ، يوم كان الإنسان كالبهيمة ، بلا قيمة ، والقلب في شباك الجريمة ، وفي ظلمات وخيمة:
فقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ
تراها بحق في مغيب ومطلعِ
وسامح الله عيونًا أطفأ الله نورها
بأهوائها لا تستفيق ولا تعي