وإذا سمعت الرجل يحمد الله على أنه لا يشعر بجوع وظمأ وتعب ، وأن الصائم لا يشعر بنصب ، فاعلم أنه صائم، فهو يُلمِّح لك لتكون بصيامه عالِم، وإذا سمعته يخبرك بأن الليل طويل أو قصير ، ويخبرك أن الناس وقعوا في التقصير ، وتركوا القيام وهو سنة البشير النذير ، فاعلم أن الرجل في الليلة الماضية قام يصلّي ، ولكنه يريد أن يوضّح لك الأمر ويجلّي . وإذا رأيت الشاعر كل سنة له ديوان ، ويهدي شعره على الإخوان ، ويلقي قصائده على الجيران ، فاعلم أن شعره لا يَهزُّ شَعْرَة ، ولا يساوي بَعْرة ، وإذا سمعت المتحدث يقول ما كنت أرغب الحديث إليكم ، ولا أريد أن أطيل عليكم ، فاعلم أنه ما عنده كلام ، ويريد أن يتخلص من المقام .
وإذا رأيت الرجل يكثر من قوله: نحن في نعم وخيرات ، وفي رغد ومسرات ، فاعلم أنه قريب عهد بمال ، أتاه هديةً أو بسؤال ، أو مُنِح أرضًا في الشمال .
ومن يكثر كل يوم من العناق ، وذكر الاشتياق ، والسؤال عن الأهل والرفاق، فاعلم أنه ثقيل ، وعذاب وبيل ، فما لك إلا البعد عنه والرحيل، وإذا سلّمت على رجل فقال: من أنتم ، وأين كنتم ، فاعلم أن الرجل فيه إعجاب ، وكبر على الأصحاب ، وإذا رأيت الرجل يكثر على طعامه من الترحيب والتبجيل ، ويعتذر بأنه قليل ، فاعلم أنه بخيل .
وإذا سمعت المتكلم يتفصح ، ويتبجّح ، ويقول: إن الحقيقة تنطلق من أطر، وتنبثق من بوتقة ، وتنصهر في قوالب ، وتلعب دورًا ، فاعلم أنه قليل بضاعة ، ما مَدَّ إلى العلم باعه ، وإذا سمعت الرجل يكثر من قوله: الناس معادن وأصول ، وفي الأنساب فاضل ومفضول ، فاعلم أن الرجل أباه شيخ قبيلة ، وهو لا يساوي فتيلة ، وإذا سمعت من يُسأل مسائل في الشريعة ، فيجعل الاحتياط له ذريعة ، فاعلم أنه قل علمه ، وبرد فهمه .
من جاور المسجد فهجره ، واستفاد من العالم وما شكره ، وأخذ المعروف وكفره فهذا رجل مخذول ، عقله مدخول ، وقلبه مخبول .