فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 303

فقالوا: حدثنا عن الصيّاد والحمامة ، يا أبا أمامة، فأنت في أخبار الحيوان علاّمة ، قال: خرج الصيّاد ، وقد وضع يده على الزِّناد ، يريد أن يصطاد ، ففارق أصحابه ، ودخل الغابة ، وخلع جلبابه ، ومدّ النظر ، بين الشجر ، وقال اللهم اتحفنا بصيد ، إنك تعلم ما نريد ، فكان كلّما مرّ به سرب من الطيور ، يأبى أن يقع لأنه يرى الرجل يدور ، والطير صاحب حذر ، ودقة نظر ، لا يغتر بكلام ، ولا يخدعه سلام ، ولا يركن إلى عهد، ولا يثق بوعد ، وهذه صفة الذكي الأريب ، والداهية الأديب ، أما الأحمق ، فإنه على كل صخر يسحق ، وبالأسرار يتدفق ، وفي مذهبه لا يترفق.

فلما أيس الصياد ، صاح: يا حسرة على العباد ، حتى الطير ، أصبح يشك في الغير ويظن ظن السوء في أهل الخير ، ثم أنشد:

وهل مثلي يخون بعهد خلٍّ

إذا أعطى ويحنث في اليمين

فلو أن الحمامة صدقتني

وَفيت ولو أقامت في يميني

ثم نادى الصياد: يا أيتها الطير ، أنا رجل من أهل الخير ، اهبطي يا جند سليمان ، ولك الأمان ، فأنا مشتاق لكِ من زمان ، فردّت عليه ، ونظرت إليه ، متى كان لك عهد وميثاق ، يا كثير النفاق ، كيف نصدقك ، وقد قتلت أمهاتنا بالرصاص ، بلا قود ولا قصاص ، ومتى تركت العادة ، يا من أمسك زناده .

فقال الصياد: تبنا إلى رب العباد ، وتركنا عادة أهل الفساد ، وندمنا على ما سلف، وسوف نغرم ما تلف ، فانزلن مأجورات مشكورات ، وبالخير مذكورات .

فقالت الطير: كلا يا عنيد ، يا ذا البأس الشديد ، فأنت عندي كذّاب مريد ، ثم ذهب الطير ولم يهبط ، وأسرع ولم يسقط ، فأيس الصيّاد وملَّ ، وهمّ أن يرتحل ، وأن يترك المحل ، فصاحت الحمامة الحمقاء ، تردد قاء قاء ، وتقول يا صياد لست أنا هنا ، فلا تشغلك المنى ، ولا تكثر من العنا ، وأنشدت تقول:

يا أيها الصياد لست هنا أنا

فارحل ودع عنك المشقة والعنا

لو كنت عندك يا أخي أبصرتني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت