وكذاك أنت فلست أيضًا عندنا
فالتفت فرآها ، فسدد رميته ورماها ، فقتلها وأدماها ، وهذا جزاء من نشر الأسرار وأفشاها ، ولم يجعل صدره منتهاها .
قالوا: فحدثنا عن الدجاج والثعلبين ، فقد صرنا بحديثك معجبين .
فقال: قصص النبلاء ، تخفف كل بلاء ، وسير الصالحين ، سلوة في كل حين ، وقد مرّ ثعلبان ، وهما يلعبان ، بجماعة من الدجاج ، داخل شبك من ساج، قال أحدهما لصاحبه ، وهو يحاوره ، والتفت إليه وهو يسايره ، ما رأيك في حيلة ، تكون لأكل هذا الدجاج وسيلة ، فإن الخديعة ، لأجدادنا شريعة ، وهذا زمان الماكرين ، وقلة الشاكرين ، وكما هو مكتوب في لوحة من إبريز ، لشكسبير شاعر الإنجليز ، حيث يقول:
احتل لنفسك في زمان الحيلة
أظهر لمن تنوي الردى تهليلة
واخدع فأنت بأمة مخدوعة
فنفوسهم عند العطاء بخيلة
فالمكر فيهم سنة معروفة
يسعون للدنيا بكل وسيلة
فقال الثعلب الصغير للكبير: يا أبا منير ، يا مرشدنا في كل أمر خطير ، تقدم وتكلم فمنكم نتعلم ، فأنت في الخير إمام ملهم ، فتقدم الكبير وقال: السلام عليكم أيتها الدجاج ، أنا أبو منير وهذا أبو الحجاج ، وكل منا للآخر محتاج .
فقالت الدجاج: لا سلمك الله يا محتال ، يا كاذب في الأقوال ، يا سيئًا في الأعمال ، فرد عليها وقال: استغفر الله لي ولكم من الذنوب، وأعوذ بالله من العيوب ، فإنه مقلب القلوب ، ماذا سمعتم عني ، وماذا دهاكم مني .
قالوا: أليس أبوك قتل أبانا ، وأخوك قبل عامٍ سبانا .
فقال: وما شأني بأبي إذا ضل ، وبأخي إذا زل ، فالولد لا يحمل وزر الوالد ، واللئيم لا يعدي الماجد .
فقالوا: الغدر فيكم طبيعة ، والمكر لكم شريعة ، وتاريخكم مليء بالأخبار الفظيعة، فقال: لست براض عما صار ، وأعوذ بالله من عمل أهل البوار ، جعلهم الله وقود النار.
ثم أنشد:
لزمت المصلّى وانقطعت إلى الذكرِ