ودخل هذا المذهب إلى بلاد إفريقيا الشمالية مثل: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب عن طريق عبدالله بن فروخ وتلاميذه من بعده، وكذلك عن طريق أسد بن الفرات بن سنان. ومع أن هذا المذهب دخل بلاد الأندلس، إلا أنه لم يدم طويلًا لأن المذهب المالكي كان قد تغلغل في نفوس الأمراء والعامة.
أما في مصر، فقد انتشر هذا المذهب في عهد المهدي، عندما تولى القضاء فيها إسماعيل بن اليسع عام 164هـ، ثم انتشر وتوسع ثانية في عهد صلاح الدين الأيوبي بعد أن خفت سطوته في عهد الفاطميين الذين حاربوا هذا المذهب لبغضهم للعباسيين. وكان أكثر ظهورًا في أواخر عهد الدولة الأيوبية. واستمر في قوة الدفع هذه حتى في عهد دولة الشراكسة ودولة العثمانيين اللتين أصبح فيهما هذا المذهب مذهب الحكام وبالتالي القضاة، ورغب فيه العلماء وكثير من أهل العلم لأنه كان الطريق لتولي منصب القضاء. وكان أن دخل هذا المذهب طور التقنين في مصر؛ فأصبح قانونًا يعمل به في كثير من أمور القضاء وخاصة ما يتعلق منها بقضايا الأحوال الشخصية، ولا يزال يعمل بذلك في مصر حتى اليوم.
وكان المذهب الحنفي متمكنًا في الشام وما حولها ـ ولا يزال هو الغالب فيها ـ وكذلك في بلاد العراق التي كان ينازعه فيها أحيانًا المذهب الشافعي. كما انتشر في بلاد: أرمينيا، وأذربيجان، والهند، والصين حيث لا منافس له في بلاد الهند والصين، ويكاد يكون هو المنفرد فيهما.
أما في بلاد الحجاز واليمن ودول الجزيرة العربية، فليس فيها إلا القليل ممن يتبعون هذا المذهب، لعل أكثرهم من الوافدين من المسلمين وليسوا من سكان البلد الأصليين. ولا يوجد إلا فئة قليلة تتبع هذا المذهب اليوم في بلدان الشمال الإفريقي. أما في مصر، وإن كانت الغلبة للفقه الشافعي ثم المالكي في الجنوب، إلا أن هناك عددًا كبيرًا من عامة الناس يتبعون هذا المذهب، وهو بالطبع مذهب الدولة المتبع في الفتوى.