فماذا قال المانعون؟ يقولون: إن الإعجاز من لوازم القرآن، وهذا أمر يعتمد على نظمه العربي. فإذا ترجم فَقَدَ هذه الخاصة،كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث برسائل إلى الفرس والروم وغيرهم فلم يترجم لهم آية في كتبه التي بعث بها إليهم مع إمكانية ذلك لو أراده، يضاف إلى ذلك أن في القرآن تعبيرات مجازية، لو ترجمت إلى لغة أخرى، أدى ذلك إلى مسخها وتشويهها، كقوله تعالى: ?حتى يلج الجمل في سم الخياط? الأعراف: 40. وقوله تعالى: ?وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه? الإسراء: 13. ثم كيف تترجم الألفاظ التي يصعب تحديد معناها في اللغة العربية نفسها كلفظ الدهر والحين، والألفاظ التي تطلق على الشيء وضده كلفظ القُرْءِ الذي يدل على الطهر والحيض. قال تعالى: ?والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء? البقرة: 228. لهذا كله فإنهم لا يجيزون ترجمة القرآن.
وماذا قال المجوِّزُون للترجمة؟ يقولون: إن إبلاغ الدعوة من واجبات الإسلام، ولايتم هذا البلاغ إلا بشرح النصوص الشرعية. وعلى رأسها القرآن بلغة المدعو. ومن هنا تصبح الترجمة واجبة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إضافة إلى أن أبا حنيفة أجاز للفارسي الذي لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة بالعربية أن يقرأها بالفارسية. ورُدّ على هذا بأن أبا حنيفة قد رجع عن هذا الرأي، كما أن قوله تعالى: ?فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد? ق: 45. يدل على أن القرآن نفسه أداة لنشر الدعوة، ولا يتحقق هذا إلا بترجمته. فبأي الرأيين نأخذ؟. لقد وفَّق بعض العلماء بين الرأيين وعدّ الخلاف بينهما خلافًا لفظيًا، لأن حجة المانعين إنما تعني الترجمة الحرفية، وحجة المجوزين إنما تعني الترجمة التفسيرية.
فالترجمة تنقسم إلى قسمين: