ثُمَّ إنَّ الوَاضِعَ رُبَّمَا صَنَعَ [1] كَلاَمًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَرَوَاهُ، ورُبَّمَا أخَذَ كَلاَمًا لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ أو غيرِهِمْ فَوَضَعَهُ على رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - [2] . ورُبَّمَا غَلِطَ غَالِطٌ فَوَقَعَ في
شِبْهِ الوَضْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ كما وقَعَ لثَابِتِ بنِ موسَى الزَّاهِدِ في حديثِ: (( مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ باللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بالنَّهَارِ ) ) [3] .
-رواه ابن عدي في الكامل 1/ 83 - 85، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات 1/ 96 - 97 من حديث ابن عمر، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، ويعلى بن مرة.
قال ابن الجوزي: (( وهذه الأحاديث كلها لا تصح ) ). ثم بين عللها. وانظر: ما علقناه على شرح التبصرة والتذكرة 1/ 425 - 426.
أما من حيث الدلالة - على فرض الصحة - فلا يتم لهم الاستدلال به لما يأتي:
-أن اللام في قوله: (( ليضل ) )ليست للتعليل، بل للعاقبة والصيرورة، كما في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوًّا وحَزَنًا} (القصص: 8) . فإن آل فرعون لم يكن ذلك مقصدهم من التقاطه.
-يجوز أن تكون اللام للتوكيد، وعندئذٍ فلا يكون لها مفهوم. كما في قوله تعالى: {فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} . (الأنعام: 144) . ومعلوم أن افتراء الكذب على الله تعالى محرم، سواء قصد الإضلال أم لم يقصد. وانظر: شرح المشكل عقب (420) ، ونكت الزركشي 2/ 287، ونكت ابن حجر 2/ 855.
(1) في (ب) و (م) : (( وضع ) ).
(2) كحديث: (( المعدة بيت الداء، الحمية رأس الدواء ) ). قال السخاوي: (( لا يصح رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره ) )المقاصد الحسنة (1035) .
وقال السيوطي: (( لا أصل له، إنما هو من كلام بعض الأطباء ) ). الدرر المنتثرة (371) . وانظر: زاد المعاد 4/ 104، وشرح التبصرة 1/ 428.
(3) رواه ابن ماجه (1347) . وراجع فيه: الضعفاء للعقيلي 1/ 176، والكامل 2/ 526، والموضوعات لابن الجوزي 2/ 109، وتهذيب الكمال 4/ 378، والميزان 1/ 367، والنكت الوفية: 186/ ب، والمقاصد: (1169) واللآلي 2/ 18، والفوائد المجموعة: 25.
وقد أشبع الحافظ العراقي الكلام عليه في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 429 - 431، فراجعه مع ما علّقناه هناك.