فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 498

قُلْتُ: ولِقَائلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَعتمِدُ النَّاسُ في جَرْحِ الرواةِ ورَدِّ حَدِيْثِهِمْ، عَلَى الكُتُبِ التي صَنَّفَها أئِمَّةُ الحديثِ في الجرْحِ، أو في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فيها لِبَيَانِ السَّبَبِ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ ضَعِيْفٌ، وفُلاَنٌ لَيْسَ بِشَيءٍ، ونَحْوُ ذلكَ، أو هذا حديثٌ ضَعيفٌ، وهذا حديثٌ غيرُ ثابتٍ، ونَحْوُ ذلكَ؛ فاشتِرَاطُ بَيَانِ السبَبِ يُفْضِي إلى تَعْطِيْلِ ذَلِكَ، وسَدِّ بابِ الجَرْحِ في الأغْلَبِ الأكْثَرِ.

وَجَوابُهُ: أنَّ ذلكَ وإنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ [1] في إثباتِ الجرحِ والحكمِ بهِ، فَقَدْ اعْتَمَدْنَاهُ في أنْ توقَّفْنا عَنْ قَبُولِ حديثِ مَنْ قَالُوا فيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أنَّ ذَلِكَ أوقَعَ عِندنا فيهِم رِيْبَةً قويَّةً يُوْجِبُ مِثْلُها التَّوقُّفَ.

ثُمَّ مَنِ انْزَاحَتْ عنهُ الرِّيْبَةُ منهُمْ، بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أوْجَبَ الثِّقَةَ بِعَدَالَتِهِ، قَبِلْنا حَدِيْثَهُ ولَمْ نَتَوَقَّفْ [2] ، كالذينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبَا"الصَّحِيْحَيْنِ"وغَيْرِهِما مِمَّنْ مَسَّهُمْ مثلُ هذا الجرحِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فافْهَمْ ذَلِكَ فإنَّهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ [3] ، واللهُ أعلمُ.

(1) في (ب) : (( يعتمد ) )، وفي (جـ) : (( يعتمده ) ).

(2) في (ب) : (( يتوقف ) ).

(3) قال البلقيني: 222: (( هذا الملخص فيه نظر ) ).

وقال الزركشي في نكته 3/ 354: (( ما ذكره في الجواب من الملخص تبعه عليه النووي في شرح مسلم، وقال: (( إن الجرح وإن لم يثبت بذلك، لكنه يوجب التوقف ) )، وفيه نظر؛ لأن الريبة لا توجب التوقف، ولهذا لَوْ ارتاب الْقَاضِي في الشهود فإنه يجوز لَهُ الحكم مَعَ قيام الريبة. ثُمَّ يرده مَا ذكره أولًا

من إعراض البخاري عن أقوال الجارحين حيث لم يفسروا، فيقال: إذا لم يفسروا فهلا توقف كما قلتم هاهنا، وإنما الجواب أن كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن المدونين فيه، أهل الإنصاف والديانة والنصح إنما يطلقون هذه الألفاظ بعد ثبوت أسبابها )) .

وقال العراقي في التقييد: 141 - 142: (( إن الجمهور إنما يوجبون البيان في جرح من ليس عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، وأما العالم بأسبابهما فيقبلون جرحه من غير تفسير ) ).

ثم قال: (( وقال أبو بكر الخطيب في الكفاية بعد حكاية الخلاف: على أنا نقول أيضًا: إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلًا مرضيًا في اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في ذلك قُبِلَ قوله فيمن جرحه مجملًا ولا يسأل عن سببه ) ).

وهذا ما ذهب إليه جمع من الأصوليين منهم: إمام الحرمين في البرهان 1/ 400، فقال: (( والذي أختاره أن الأمر في ذلك يختلف بالمعدِّل والجارح، فإن كان المعدِّل إمامًا موثوقًا به في الصناعة لا يليق بِهِ =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت