والمحدِّثُ يَقْرَأُ، هَلْ يَجُوزُ أنْ يُحَدِّثَ بذلكَ عنهُ؟، فقالَ: أمَّا عِنْدِي فَلاَ يَجُوزُ، ولَكِنْ عَامَّةُ الشُّيُوخِ هَكَذا سَمَاعُهُمْ )) [1] .
قُلْتُ: وهذا مِنْ مَذاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ في الروايَةِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ [2] إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. والصَّحِيْحُ أنَّ ذلكَ لاَ يُشْتَرَطُ وأنَّهُ يَصِحُّ السَّمَاعُ وإنْ لَمْ يَنْظُرْ أصلًا في الكِتابِ حالَةَ القِرَاءَ ةِ، وأنَّهُ لا [3] يُشْتَرَطُ أنْ يُقَابِلَهُ بنفْسِهِ، بلْ يَكْفِيْهِ مُقَابلَةُ نُسْخَتِهِ بأصْلِ الرَّاوي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذلكَ حالَةَ القِرَاءةِ، وإنْ كَانَتِ المقابَلَةُ على [4] يَدَي غيرِهِ، إذا كَانَ ثِقَةً مَوْثُوقًا بضَبْطِهِ [5] .
قُلْتُ: وجَائِزٌ أنْ تَكُونَ مُقَابَلَتُهُ بفَرْعٍ قَدْ قُوبِلَ المقابلَةَ المشروطَةَ بأصْلِ شَيْخِهِ أصْلِ السَّمَاعِ، وكذلكَ إذا قَابَلَ بأصْلِ أصْلِ الشَّيْخِ [6] المقَابَلْ بهِ أصْلُ الشَّيْخِ؛ لأنَّ الغَرَضَ المطْلُوبَ أنْ يَكُونَ كِتَابُ الطَّالِبِ مُطَابِقًا لأصْلِ سَمَاعِهِ وكِتَابِ شَيْخِهِ، فَسَوَاءٌ حَصَلَ ذلكَ بوَاسِطَةٍ أوْ بغَيْرِ واسِطَةٍ. ولاَ يُجْزِئُ ذلكَ عِنْدَ مَنْ قَالَ: (( لاَ تَصِحُّ مُقَابَلَتُهُ مَعَ أحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ، ولاَ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، ولاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كِتَابِ الشَّيْخِ واسِطَةٌ [7] ، وليقَابِلْ نُسْخَتَهُ بالأصْلِ بنَفْسِهِ حَرْفًا حَرْفًا حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ ويَقِيْنٍ مِنْ مطابَقَتِها لهُ ) ). وهذا مَذْهَبٌ مَتْرُوكٌ وهوَ مِنْ مَذَاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ المرفُوضَةِ في أعْصَارِنا، واللهُ أعلمُ.
(1) الكفاية: (351 ت، 238 هـ) .
(2) في (ب) : (( مذاهبهم ) ).
(3) سقطت من (ب) .
(4) كأنه ثَنَّى اليد؛ إشارة إلى الاعتناء بالمقابلة، أفاده البقاعي في نكته: 289 / ب.
(5) قال البقاعي: (( أي: قد يكون الإنسان ثقةً، أي: عدلًا ضابطًا لما يرويه، وهو ضعيف في الكتابة أو لا يعلمها أصلًا فلا يدفع ذلك مع كونه موثوقًا بضبطه في المقابلة، أي: قد جرب أمره فيها فوجد شديدًا ) ). النكت الوفية: 289 / ب.
(6) انظر: الاقتراح: 297 - 298، ونكت الزركشي 3/ 585.
(7) نقله القاضي عياض في الإلماع: 159.