حتَّى ضَعَّفَهُ بعضُهُم مِنْ جِهةِ سُوءِ حفظِهِ، ووثَّقَهُ بعضُهُم؛ لِصِدْقِهِ وجلالَتِهِ، فحديثُهُ مِنْ هذهِ الجهةِ حَسَنٌ، فلمَّا انضمَّ إلى ذلكَ كونُهُ رُويَ مِنْ أوجهٍ أُخَرَ [1] ، زالَ بذلكَ ما كنَّا نخشاهُ عليهِ مِنْ جهةِ سوءِ حفظِهِ، وانجبرَ بهِ ذلكَ النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإسنادُ والتحقَ بدرجةِ الصحيحِ [2] ، واللهُ أعلمُ.
الرابعُ: كتابُ أبي عيسى التِّرمِذيِّ -رَحِمَهُ اللهُ - أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسَنِ، وهو الذي نَوَّهَ باسمِهِ وأكثرَ مِنْ ذِكْرِهِ في"جامِعِهِ". ويوجدُ في متفرقاتٍ منْ كلامِ بعضِ مشايخِهِ، والطبقةِ التي قبلَهُ كأحمدَ بنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، وغيرِهِما [3] وتختلفُ النُّسَخُ مِنْ كتابِ الترمذيِّ في قولِهِ: (( هذا حديثٌ حسَنٌ ) )، أو (( هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ ) )، ونحوِ ذلكَ [4] . فيَنْبَغِي أنْ تُصَحِّحَ أصلَكَ بهِ [5] بجماعةِ أصولٍ وتعتمدَ على ما اتَّفَقَتْ عليهِ.
ونصَّ الدَّارَقطنيُّ في"سُنَنِهِ"على كثيرٍ مِنْ ذلكَ [6] . ومِنْ مظَانِّهِ [7] "سننُ أبي"
(1) في (ب) : (( وجه آخر ) ).
(2) انظر فيما يتعلق بهذا الحديث: نكت الزركشي 1/ 330، ونكت ابن حجر 1/ 416.
(3) وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم منهما كالشافعي ومالك، بل من هو أقدم كإبراهيم النخعي وشعبة وعلي بن المديني وغيرهم.
ولكن الملاحظ على تعابيرهم: أن منهم من أراد المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لم يُرده. انظر: نكت الزركشي 1/ 331، والتقييد 52، ونكت ابن حجر 1/ 424.
(4) نقل الزركشي 1/ 334 عن ابن دقيق العيد أنه قال: (( إن النُّسَخ من كتاب الترمذي تختلف في قوله: حسن صحيح، أو حسن، وأكثر ما يعتمده المتأخرون رواية الكروخي وهي مخالفة في التصحيح لرواية المبارك بن عبد الجبار ) ).
(5) ليست في (ب) .
(6) أي: من الحسن. انظر: نكت الزركشي 1/ 336.
(7) مَظِنَّة الشيء: الموضع الذي يُظنُّ كونه فيه، قال الجوهري: (( ومَظِنَّةُ الشيء: موضعه ومألفه الذي يُظنُّ كونه فيه، والجمع: المَظانُّ ) ). وفي اللسان: (( المظانُّ: جمع مَظِنَّة - بكسر الظاء: وهي موضع الشيء ومَعْدِنه - مَفْعِلَة - من الظنّ بمعنى: العلم، قال ابن الأثير: وكان القياس فتح الظاء، وإنما كُسِرت لأجل الهاء، قال: ويجوز أن تكون من الظنّ بمعنى العلم والميم زائدة ) ). انظر: الصحاح 6/ 2160، والنهاية 3/ 164، واللسان 13/ 274.