وقال البحتري:
تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب (1)
ووجدي بالشباب وإن تقضى ... حميدًا دون وجدي بالمشيب
وهذا من فاخر هذا الباب وعجيب مذاهبه، ومن إحسان أبي عبادة المشهور.
... وقال البحتري أيضًا:
أعداوة كانت فمن عجب الهوى ... أن يصطفي فيه العدو حبيبا (2)
أم وصلة صرفت فعادت هجرة ... أن عاد ريعان الشباب مشيبا
أرأيته من بعد جثل فاحم ... جون المفارق بالنهار خضيبا (3)
فعجبت من حالين خالف منهما ... ريب الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوه ... سبق الطلوب وأدرك المطلوبا
قوله: «جون المفارق» ، والجون ها هنا: الأبيض؛ فلذلك قال: «بالنهار خضيبا» وخضاب البياض غير معروف ولا جرت بمثله عادة، وإنما الخضاب بالسواد والصفرة، وذلك أن الخضاب إنما هو صبغ، والبياض ليس بصبغ ولكن هو المصبوغ، والبحتري إنما جعله خضابًا لأنه لون حدث بعد لون قبله فلهذا ما جعله كالخضاب.