بعد ذلك ما يشاء ويختار، فرفع القيمة هذه المرة، وجعلها عشرة آلاف فرنك تدفعها إليه نقدًا. وبعد توسلات ومساومات رضي فتسلم منها خمسة آلاف نقدته إياها، وباعت فيها بعض ما تملك من حلي ومصوغ. وقعدت في دارها تنتظر النتيجة على أحر من الجمر
وطفق الشيخ يتودد إلى (علال) ويلاطفه حتى نسى الماضي القديم، وأحله من نفسه محل الثقة والرضى. وما استيقن الشيخ من الرجل حتى قال له ذات يوم - وهما على انفراد: يا بني إني أرى في المنام أنك لست بخير في أهلك هذه التي لم تتعظ بكونها قضت زهرة أيامها عانسة بائرة، فقد حادت عن طريق الشرف والاستقامة من غير أن تحفظ لك غيبًا أو تعترف لك بجميل. وأنا كما تعلم إذا رأيت الرؤيا جاءت كفلق الصبح. وكان الشيخ قد أوعز إلى بعض أعوانه فأخبروا علالا بأن عرضه أصبح مضغة في الأفواه، تلوكه ألسنة السوء، وأن النساء في الحمامات وفي الولائم والمناحات يسلقن أهله بألسنة حِداد. فما كذب الرجل فيما سمع، وأسرع إلى (خيْرةَ) ففك عصمتها وأعلنها بطلاقها، وهي ما تزال بعدُ عروسًا في خدرها، ولم ينصل خضابها. وغدا عليه الشيخ في وجوه من أعوانه وشركائه 0يتوسل إليه) أن يراجع زوجته الأولى، ويقول له: يا يني إني أرى في المنام أن جبريل عليه السلام قد زوجكها من فوق السموات العلى، فأذعن الرجل، ولم يكد ينقضي يومه ذاك حتى كانت قد جليت عليه مرة أخرى
لقد اطمأنت (خيرةُ) إلى الأيام، وحسبت أن زواجها هذا قد جعل حدًا لوحدتها وشقائها، وظنت أنها بهذا الزواج مقبلة على حياة منزلية هانئة سعيدة لا حزن فيها ولا عناء فإذا بها تتلقى هذه الصدمة العنيفة القاسية الأليمة التي لا رحمة فيها، فتملأ نفسها حيرة واضطرابًا، وتملؤها ظلمة ويأسًا، فلم تطق الصبر ولا الاحتمال، فتحنق وتثور انتقامًا لنفسها، فإذا هي تنقم من نفسها، وقد ضلت السبيل، واندفعت في الغي وسقطت في الهوة التي لا قرار لها
وأراد الشيخ أن يحج إلى بيت الله الحرام لا إيمانًا واحتسابًا لأنه ممن يزعمون أن زيارة الضريح الفلاني تعدل عند الله ثواب حجة وعمرة معًا؛ ولكنه يريد التكسب والارتزاق، فطاف على الناس يستعينهم على الحج، فيزعم لهذا أنه سيدعو له الله تعالى عند البيت المحرم، ويزعم للآخر أنه سيستغفر له عند مقام إبراهيم، ويتناول على ذلك أجره سلفًا. أما الذين يستلمُ منهم سلفًا أثمان (الأردية) و (العمائم) و (السبحات) وما إلى ذلك مما سيحمله