تنبع من الأعماق الباطنة التي تتكون فيها الحقائق الشخصية اليقينية، فإنها تصبح عندئذ أفكارًا حية حقيقية.
ومن الضروري أن يكون تأثير المدرس (مثلا) تأثيرًا خفيًا يسري في نفوس التلاميذ دون أن يشعروا بذلك. فالفعل الحقيقي هو الذي يتحقق دون أن يشعر به الآخرون شعورًا مباشرًا. ولا بد من اتخاذ الحيطة في هذا الفعل، حتى إذ كنا على ثقة مما نقوله، وكل ما نعمله، لا بد من أن نحترس، حتى إذا اعتقدنا أننا على حق. وليس أشق من فن (التطعيم العقلي) على كل من يمارس مهنة الفعل والتأثير
والفعل الحقيقي هو الذي يتم في صمت، إن التربية لهي مدينة في تأثيرها وقوتها إلى ذلك الإيحاء الصامت الذي يمارسه المدرس، فيوجه به التلميذ التوجيه الذي يريده، في الوقت الذي يعتقد فيه التلميذ أن أفكاره إنما هي وليدة تفكيره الخاص، وأن أفعاله إنما هي نابعة من ذات نفسه! ولكن ما أعظم مسؤولية المدرس إذا أساء استعمال سلطته، فأدخل في عقل التلميذ أفكارًا غير ناضجة، أو أوحى إليه بأفعال غير مثمرة!
أما المثل الأعلى للمدرس، فهو أن يعرف كيف يجعل نفسه سلبيا خالصًا، فيختفي هو وراء الستار، لكي يكتشف الطفل بنفسه ما يتعلمه، وبذلك يكون المدرس تلميذًا لتلميذه!
زكريا إبراهيم
مدرس الفلسفة بالمدارس الثانوية