وللسيدة المسكوبية جيران يشفقون عليها فيمدونها بين حين وآخر بما تيسر من حواضر البيت، وتغتنم هي الفرص في كثير من الأحايين فتقف عند باب غرفة جارها وتناديه، فإن كان داخلها ورد عليها سألته:
-هل لي أن أعرف الوقت الآن؟
وإن كان خارجها دفعت الباب صارخة:
-ما بك يا جاري. . . عساك بخير؟ فإن لم تجد في الغرفة أحدًا تناولت شيئًا، وانسحبت على عجل!
وفي أحد أيام شهر كانون الثاني (يناير) سنة 1943 حلَّ في الدير ضابط بولوني اسمه (يوزيك غروزني) سرح من الجيش لعدم صلاحيته للخدمة العسكرية، وأستأجر غرفة في الطابق الأسفل من الدير، وكان متاعه ما جلبه معه من الجيش من سرير عسكري وأحرمة وألبسة وأدوات أكل. . .
وهنا تبدأ القصة:
فبينما كان يوزيك مستلقيًا على سريره ذات مساء، يستعرض بحرقة وألم الأيام العصيبة التي مرت به منذ أن فر من بولونيا، حتى اشتراكه في معارك ليبيا ووقوعه جريحًا، وإحالته إلى هذا الدير عاطلا، إذ به يلمح امرأة تقف عند نافذة غرفته وهي تبسم له وتقول بالبولونية:
-حضرتك جارنا الجديد؟
-نعم!
-أأنت جندي؟
-ومن أية بلدة بولونية أنت؟
-من لودز
-أحقًا أنت من لودز؟ يا لغريب المصادفات! إنني قضيت شطرًا من شبابي في هذه المدينة الجميلة!
-وحضرتك ما اسمك؟ ومن أين؟
-أنا أولجا نيقولا يفنا رومانوفا! (ورفعت رأسها إلى العلاء قليلًا) إن الدم الأزرق يجري