المجمع حين تولى رئاسته. فتجلى لي في كل هذا رجلا آخر: فهو رجل ليس واسع العلم دقيق البحث وحسب، بل يستطيع أيضا أن يبسط العلم وينقله من لغة إلى لغة نقلا بارعًا، تعلو عبارته العلمية الدقيقة سمة من طرافة الأدب. وقد أتيح لي أن أنشر في المقتطف، وفي كتب المجتمع السنوية، نصوص أربع من محاضراته في الغازات الحربية، وسيرة كوخ وأعماله، والمعركة اليومية في الجسم البشري، وتقدم الطب خلال خمسين سنة. وكان لابد من أن أديم النظر فيها عند تصحيح التجارب، وكنت أتوسل بتلك التجارب لكي أذهب إليه في المعامل لأظفر بشيئين: أن أفحصها معه فأضمن دقتها، بين إدارة المعامل وبحثه العلمي الأصيل، أن أقدر أسلوبه البارع في تقريب العلم، وحسه اللغوي الدقيق في التعبير عن المعاني العلمية ومصطلحاتها، قديمها وجديدها على السواء.
ثم عين وكيلا لوزارة الصحة، وكأن السنين الطويلة التي قضاها في تحصيل العلم وممارسة بحوثه الأصيلة، وإعدادٍ المحاضرات لقريب معانيه وإلقائها، وما علمه بالتجربة من حاجة مصر إلى الإصلاح الصحي من وجوهه الكثيرة، وما فطر عليه من حب الخير والعمل - قد احتشدت جميعًا، لتكون الأساس لمشروعات الصحية المتعددة التي وضعها أو محصها مع الوزراء الذين تولوا الوزارة، والمتخصصين من رجال الوزارة ورجال كلية الطب، فصح فيه يومئذ ذلك القول المأثور: (هذا المنصب لهذا الرجل) .
هذه المعاني الثلاثة: البحث العلمي الأصيل الذي يحول بعض المجهول معلومًا - والمحاضرة العلمية المثقفة التي تجعل بعيد معاني العلم دانيًا منقادًا، وتطبيق قواعد العلم وأغرض العلم في أعمال الحكومة والإدارة لتحقيق خير الشعب - هي التي تألقت في ذهني حين علمت بأن جلالة الملك تفضل فحصه بأنعام سام، كان إنعامًا على العلم النافع جميعًا.
وهذه المعاني الثلاثة تقرر حقيقة، وترسم دستورًا لجميع العاملين. اما الحقيقة، فمسطورة في سجل خدمته، واما الدستور فزكن من الخطة العظيمة التي لابد لمصر من أن تختطها - منذ اليوم بل منذ الساعة، لكي تعد نفسها لمواجهة مشكلات الغد وحلها، حتى تستطيع أن تقيم في هذا الوادي عالمًا افضل من عالم امس الغابر، عالمًا يقوم على الوفر دون العوز، وعلى الصحة دون السقم، وعلى العلم دون الجهل، وعلى أخلاق الرجال.