يجده. . . لثار على الدنيا، وذم الزمن، وحقد على الناس، ولكنه كان رجلا مؤمنًا موقنًا إن الله هو الذي قسم الأرزاق فأعطى - لحكمة يعرفها - ومنع، وإن الناس لا يملكون عطاء ولا منعًا، وإن ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
فقال: أه. الحمد لله على كل حال!
وقام فنزع القميص، ونادى: يا لبابة. فجاءت امرأة ملتحفة بخرقة قذرة، فدفع إليها بالقميص وأخذ الخرقة فالتف بها. . . فقالت المرأة: يا أبا غياث، هذا ثالث يوم لم نذق فيه طعامًا، وهذا يوم صيام وحر. . . فإذا صبرت وصبرت أنا فإن البنات والعجوز لا يقدرن على الصبر، وقد هدهن الجوع، فاستعن بالله، واخرج فالتمس لنا شيئًا فلعل الله يفتح عليك بدوانق أو كسيرات ندخرها لفطورنا.
قال: أفعل إن شاء الله.
وانتظر حتى علت الشمس وكان الضحى، فخرج يجول في أزقة مكة وطرقها، وكان الناس قد انصرفوا إلى دورهم ليقيلوا فلم يلق في تطوافه أحدًا. واشتد الحر، وتخاذلت ساقاه، وزاغ بصره، وأحس بجوفه يلتهب التهابًا من العطش، وكان قد صار في أسفل مكة فألقى بنفسه في ظل جدار. وكان من أكبر أمانيه أن يدركه الأجل فيموت مؤمنًا، فيتخلص من هذا الشقاء وينال سعادة الأبد. وجعل ينكت التراب بيده، وهو سادر في أمانيه، فلمس يده شئ مستطيل لين، فسحبها ونظر فإذا هو بذنب حية مختبئة خلال التراب، فتعوذ بالله، ثم عاودته رغبته في الموت، وتمنى لو تلدغه فتريحه، ثم ذكر إنه لا ينبغي للمؤمن أن يطلب الموت، وإنما ينبغي له أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وأمتني إن كان الموت خيرًا لي. فقالها واستغفر الله. وعاد يرقب الحية فإذا هي ساكنة، فعجب منها ولمسها برجله، فلم تتحرك فبحث عنها وحفر، فإذا الذي رآه حزام وليس بحية، فشده فجاء في يده (هميان) فيه الذهب، عرفه من رنينه وثقله، فأحس كأن جوعه وعطشه قد ذهبا، وكأن القوة قد صبت في أعصابه، والشباب قد عاد إليه. . . وتصور إنه سيحمل إلى نسائه الشبع والدعة والراحة، ويملا أيديهن مما كن يتخيلنه ولا يعرفنه من نعيم الحياة ورغد العيش، وجعل يفكر فيما يشتريه لهن، وكيف يتلقين هذه النعمة التي ساقها الله إليهن حتى كاد يخالط