وهنا تنتهي قصة (أشجار التنبرج) أول جزء من قصة (الصراع مع الملاك) .
ومنذ بداية هذه القصة أيضًا في ذلك السجن الموحش المعزول عن العالم الخارجي، نرى أندريه مالرو يعود إلى موضوعه الرئيسي وشاغله الأول في كل ما كتبه وهو (الإنسان) . . .
أسمعه وهو يقول: (منذ عشر سنوات لا يشغلني ككاتب غير موضوع واحد هو الإنسان. ذلك هو الموضوع الأساسي في فني) . وهذا الشاغل نلمسه يتملك والده أيضًا حين يقص علينا مالرو حياته ويروي لنا (مقابلاته) مع الإنسان، وهي مقابلاته الشخصية مع الموت والقسوة الإنسانية والقدر الغامض. يقول والده: (إن اللغز الأكبر ليس في أنه أُلقى بنا دون حساب بين المواد المتفجرة الغزيرة وبين الكواكب. بل إننا ونحن في هذا السجن كنا نستمد من أنفسنا صورًا قوية لتكذب واقع حياتنا وهو أننا كائنات لا وجود لها) وهذا اللغز هو ما تريد (أحاديث التنبرج) أن تكشفه. فكل المناقشات تدور حول هذه المسألة. هل يمكن إيجاد تحديد معين لمعنى كلمة إنسان؟ (إن الإنسان بمعناه الحقيقي ما هو إلا أسطورة. هو حلم في ذهن المفكر) . فما الذي نعرفه عن الإنسان؟ إننا لا نكاد نعرف شيئًا (فحتى الثقافة لا تعلمنا شيئًا عنه. إنها تعلمنا بكل بساطة ماهية الرجل المثقف بقدر ما هو عليه من ثقافة) إننا نعرف فقط (أننا لم نخَيَّر حين ولادتنا وأننا سوف لا نخَيَّر عند موتنا، وأننا لم نختر والدينا، وأننا لا نستطيع شيئًا حيال الزمن، وأن بين كل منا وبين العالم فاصلا معينًا. وعندما أقول إن كل إنسان يحس بقوة بوجود القدر فأنني أقصد أنه يحس - بحرارة ومن وقت لآخر على الأقل - باستقلال الكون عنه وإهمال المجتمع لشأنه) .
هذا الإحساس المرير من جانب الفرد بعزلته في هذا العالم مما دفعه إلى التعلق بالقدرة والاستعانة بالخيالات والأوهام لتبرير حياته والرضى بما هو فيه من هو إن هو في نظر مالرو نتيجة تفكك الروابط الاجتماعية في حياتنا الحاضرة، وطغيان المادية على كل اعتبار حتى هانت القيم البشرية، وأصبح الاستهتار بكرامة الإنسان وحياته وتضحيتهما هشيما سهلا في سبيل المآرب الذاتية، أمرًا ما أهونه في هذا العصر الذي سماه أندريه مالرو بحق وأطلقه عنوانًا لأحد كتبه الخالدة (عصر الازدراء) للمخلوق البشري!
ما القَدر الذي نصادفه دائمًا في قصص مالرو؟ هو ذلك الملاذ الغامض الذي يلجأ إليه