فيتجسد ويتمثل بشرًا سويًا ويرفعه الله مكانًا عليًا؛ فهو فوق كافة الأسماء في الجنة وفي الأرض ويدعو الله الملائكة فيأمرهم أن يسجدوا له ويتعبدوا، فيفعلون طائعين ويسبحون بحمد الأب والابن وتمجديهما مرتلين نشيد الحمد جميعًا في نغمة واحدة ترددها أوتار قيثارتهم.
وفي تلك الأثناء يسقط الشيطان حتى يقترب من كوكب خارجي قصي عن هذه الكرة التي هي الدنيا، كوكب يفصل بين الأرض وبين العماء والظلمة الممتدة من الجحيم من تحته؛ وهناك يجد بعد تجواله مكانًا سوف يكون فيما بعد جنة للمغفلين ويصف الشاعر هنا من سوف يسكنون هذه الجنة فثمة من مات من الأطفال قبل تعميدهم وثمة البلهاء والبسطاء والذين ماتوا قبل أن ينزل الدين.
ويتابع الشيطان طيرانه صاعدًا حتى برى على باب الجنة، وينظر الشيطان فإذا هو بالغ الروعة والبهاء والزينة، ليس كمثله بناء فيما سيخلق الإنسان في الأرض، فهو معقود من الذهب والماس ويرتفع الداخل فيه صعدا على سلم من الذهب الوهاج، وحوله أنهار من اللؤلؤ المذاب؛ ويستمر الشيطان محلقًا حتى يأتي كوكب الشمس وجد عمده حارسه أَرْيِلْ، فيتنكر ويظهر بصورة ملك من الملائكة الذين هم دون أريل في المرتبة إذ أن أريل من الملائكة المقربين، ويتوسل إلى أريل أن يدله على ذلك الإنسان الذي خلقه الله حديثًا والذي سوف يهبه دنيا جديدة واسعة يعيش فيها وينعم بها. ويقول الشيطان في ضراعة إنه ما قطع هذه الرحلة الطويلة منفردًا إلا ليطلع على بديع ما خلق الله مما سمع عنه هو ورهطه من الملائكة، وذلك لكي يزداد تمجيدًا لله وتسبيحًا بحمده؛ ويستطيع الإنسان أن يخدع أريل نفسه فيشير أريل إلى مكان ما ويقول للشيطان أنظر فهذه هي الجنة حيث يقيم آدم وهذه البقعة الداكنة التي ترى هي عشه، وينطلق الشيطان بكل ما في وسعه من سرعة فما زال طائرًا حتى يبلغ حيث أراه أريل.
ويبدأ الكتاب الرابع والجنة على مرأى من الشيطان، وقد أصبح على مقربة من المكان الذي يسكن فيه آدم وزوجه، والذي سوف يحاول فيه محاولته الجريئة التي عقد العزم على أن يضطلع بها وحده ضد الله وضد الإنسان؛ ولكنه قبل أن يقدم على عمله أخذت تساوره وهو على مقربة من الجنة هواجس من الشك واليأس، كما أخذت تهجس في نفسه عواطف