وتوالت الأيام وأنا أزداد بالآنسة شغفًا، وتتابعت الليالي وأنا أطوف حول بيتها لعلي أظفر منها بنظرة. ولكن هيهات! فقد كانت لا تكترث بوجودي، ولا تبالي بمروري وإنما تعتدل في وقفتها فتغلق النافذة ثم تنادي قطتها وتنصرف. وكنت إذا لحظت منها الصدود غضبت وأقسمت أن لا أمر من أمام بيتها، ولكن ما أسرع ما أحنث بهذا القسم فلا أجدني إلا سائرًا في طريق بيتها. لقد كانت هذه القصة تتمثل كل يوم، ولكنها تنتهي وكأني لم ألحظ صدودًا ولم أحلف يمينًا.
وأقبل الصيف وأغلقت المدارس أبوابها فوجدت في العطلة الصيفية عونًا على تحقيق رغباتي. لقد رحت أقضي الأيام الطوال حول منزل آنستي فأستقصي أخبارها وأتنشق عبير رائحتها. . . ولقد تخطت معرفتي بها الحدود التي كان الربيع قد رسمها فلم أعد أقنع برؤيتها في النافذة، وإنما أصبحت أراها في الطريق رائحة غادية برفقة مربيتها العجوز (نانو) .
وإن أنس لا أنس تلك اللحظات التي كنت أقضيها بانتظار خروجها. لقد كانت اللحظة شهرًا، وكانت الساعة دهرًا، ولكني ما كنت لأشعر بوطأة هذا الطول. فقد كان لي خلفه آمال تعدل كل ما ألقاه من آلام. لقد كنت أنتظر طويلًا ثم لا ألبث أن أسمع صوتًا ملائكيًا يرن في أذني. إنه صوتها وهي تقول: (نانو. . . امشي يا نانو) ثم ينفتح الباب وتخرج منه وهي تخطو خطوة وئيدة وإلى جانبها (نانو) فأقف في الطريق محاولًا استدراجها إلى ابتسامة رقيقة. ولكني كنت أعود كل مرة خائبًا. فقد كانت تمر بي دون أن تشعر بوجودي أو تفطن إلى عواطفي. وإني لا أزال أعجب لتلك العواطف الجامدة كيف لم تعصف بها نظراتي الحادة، وإني لا أزال أكبر ذلك القلب الهادئ الذي لم تستطع أن تحركه نبرات قلبي المتأججة. . .
وقد أوشك الصيف أن ينقضي قبل أن أنتهي إلى تنيجة مرضية، فقد ظل قلب الآنسة بعيدًا عن قلبي وبقيت آذانها مغلقة عن سماع صوتي، وقد تراءى لي أنها تكتم عواطفها خوفًا من (نانو) العجوز، فاعتقدت أن الحب يقضي علي أن استعطف (نانو) وأن استدر رحمتها.
ولما كان الغد ملت بنظري نحو (نانو) فابتسمت لي وابتسمت لها وقلت في نفسي إنها ولاشك قد أدركت معنى ابتسامتي وفهمت مغزى وقوفي، وتتابعت النظرات والابتسامات