حملوا راية النقد الاجتماعي دون سواهم من القادة وأولي الرأي والبصر. لذلك كان حمدنا لهم مضاعفًا وثناؤنا عليهم مستطابًا.
ولا نتجنى على غيرهم من أصحاب البيان وأهل القلم واللسان، فقد ترى لكاتب نقدة عابرة، أو تسمع لخطيب زجرة طائرة، ولكن ذلك كان على وحي وارتياب. ولم يكن خطة موضوعة ولا منهاجًا متبعًا. بل حوادث فردية ووقائع شخصية. وإنك لو طويت الكشح عن عظات لبعض علماء العصر على المنابر أو غيرها، يوجهونها للشعب أو حكامه، وإنك لو لويت الجيد عن بعض ما تخلل مقدمة ابن خلدون وبعض كتب التاريخ من نقدات، ما وجدت بعد ذلك من النقد الاجتماعي شيئًا يدل عليه ويشار إليه. فإذا أردت أن ترى أين النقد حقًا، فانظر في شعر شعراء العصر، فإنك واجد في - بلا ريب - ما تشتهي.
أما خطباء العصر فكانوا من علماء الدين جلهم اتخذ الخطابة المنبرية وسيلة إلى الرزق أكثر منها سبيلًا إلى النصيحة، وطريقًا إلى الجاه أقرب منها أداة إلى الإصلاح. وكتاب العصر كانوا في شغل شاغل بوظائف الدواوين وتدبيج رسائل السلاطين، وما يدره عليهم ذاك من خير وفير ورزق كثير. وعلماء العصر ممن شغلوا أنفسهم بالتأليف كانوا في أبراجهم العاجية يعيشون بمنجى عن الشعب ومنأى، بين ترف ذهني ونعيم فكري. وليس لهم هم إلا أن يؤدوا للعلم أمانته ويدونوا ما خلفته العصور وما وعته الصدور. فلم يبق إلا الشعراء فهم من الشعب وإليه، وهم تراجمته ومرائيه، ولسنه المشروع، وحناجره النافثة، صوتهم من صوته، ونداؤهم من ضميره، ونقدهم قبس مما يتردد في أعماقه ويتراءى في آفاقه. والشعب - على ضعفه وغفلته - له نقدات مريرة ولفتات خطيرة، تتنزى برنينها نفسه، ويموج بأنّاتها فؤاده. ولكن فكره موءود، ولسانه معقود، وغضبته مطروحة، وحدته مكبوحة. ولا من يترجم عنه أو يتحدث بما في نفسه إلا شعراؤه. هكذا كان شعراء العصر المملوكي.
والمجتمع المصري حينذاك كان فياضًا من الفساد لا حد لها، غاصًا بمواضع النقد، قمينًا بالحملة عليه والسعي في إصلاحه. ولكن هيهات.
لقد كان الشعب يعاني من حكامه جورًا وعسفًا، ومن موظفيه نهبًا وسلبًا وإهمالًا. وكان هؤلاء طبقتين متميزتين عن بقية طبقات الشعب التي منها طبقات التجار والزراع