وأكرموا مستقبله، واستمعوا لحديثه، وأصغوا لشكاته. ورفعوا مكانته ووهبوا له الكثير من النعيم؛ مما الهج لسانه بشكرهم، وأبهج بيانه بذكرهم، ونظم في مديحهم أجود القصيد وأخلده استجابة لداعي الوفاء والولاء.
قال يمدح المنصور وإجارته له.
وأجارني إذا حاولت دمي العدا ... ورأت شفاء صدورها من ورده
من كل مذَّاق تبسم ثغره ... وتوقدت في الصدر جذوة حقده
ولذلك لم يرني بمنظر شاعر ... تبغي قصائده جوائز قصده
بل بامرئ أسدى إليه سماحه ... نعمًا فكان المدح غاية جهده
هذه الأبيات من قصيدة له في مدح الملك الصالح بن المنصور تغزل في مطلعها فقال:
دبت عقارب صدغه في خده ... وسعى على الأرداف أرقم جعده
وبدا محياه ففوق لحظه ... نبلا يذود بشوكه عن ورده
ومنها يمدحه:
الصالح الملك الذي صلحت به ... رتب العلاء ولاح طالع سعده
ملك حوى رتب الفخار بسعيه ... والملك إرثًا عن أبيه وجده
متسهل في دست رتبة ملكه ... متعصب من فوق صهوة جرده
فإذا بدا ملأ العيون مهابة ... وإذا سخا ملأ الأكف برفده
كالغيث يولي الناس جودًا بعدما ... بهر العقول ببرقه وبرعده
وهكذا يرى القارئ كيف انساق صفي الدين إلى المديح وإلى التكسب بالشعر وهو الذي يقول: (وكنت عاهدت نفسي ألا أمدح كريمًا وإن جل، ولا أهجو لئمًا وإن ذل) .
ولعل أول مدائحه للملك المنصور فائيته التي يقول فيها:
لاقيتنا ملقى الكريم لضيفه ... وضممتنا ضم الكمي لسيفه
وجعلت ربعك المؤمل كعبة ... هي رحلة لشتائه ولصيفه
يا من اشتبه الصواب أعاره ... رأيًا يخلص نقده من زيفه
وإذا أتى أرض العدو فوحشها ... من وفده ونسورها من ضيفه الخ
انضم صفي الدين إلى حاشية الملك المنصور وبنيهن وأصبح من سمارهم وجلسائهم ثم