فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 15440 من 30278

ـ [نبيل الجلبي] ــــــــ [27 - 12 - 2009, 09:32 م] ـ

من نفحات الجهاد في شعر الدكتور محمد إقبال

الدكتور أحمد حسن فرحات

إقبال شاعر الإسلام الأول، وفيلسوفه الكبير، درس الإسلام دراسة واعية، وأحاط بالفلسفة إحاطة شاملة، وخاض معترك الحياة مجاهدا بفكره وشعره، فصور واقع المسلمين، وبين أسباب انحطاطهم، ووضع أسس نهضتهم، وصاغ ذلك كله ألحانا شعرية رائعة، هزبها مشاعرهم، وحرك أوتار قلوبهم، وأعاد الأمل الى نفوسهم.

لن نتحدث في هذه الكلمة عن الشاعر وحياته، ولا عن شعره وفلسفته، وإنما سنكون مع لحن الجهاد في شعره، ذلك اللحن الذي ما تزال تسير على أصدائه قوافل الجهاد، وتردده جنبات الكون الفسيح.

فتح اقبال عينيه على الوجود، فكان أول ما اكتحلت به عيناه، ذلك التخلف الذي يعانيه المسلمون في كل مكان، وذلك الذي يرتسم على جباههم، بعد أن طأطؤا رؤوسهم للمستعمرين، وقعدوا عن فريضة الجهاد، حبا في الحياة الذليلة، وكراهية للموت الكريم.

وهنا وجد اقبال أن من واجبه أن ينقذ المسلمين، من الهاوية التي صاروا إليها، وكان لازما عليه أن يزهدهم با لحياة الدنيا الفانية، التي يجدر بالمسلم أن لا يتشبث بها أو يتعلق بأذيالها، فكل ما فيها إلى الزوال ...

هذه الأنوار المتلألئة تنطفئ، وهذا الأصيل يبكي على نعش الشمس الذاهبة، وهذا شعاع الكواكب النحيل يتوارى في أكناف من سنا البدر المنير.

تحت نور الأفلاك عيش جميل ** وأرى النور ينطفي ويحول

وعلى كاهل المساء ترى للشمس ** نعشا بكى عليه الأصيل

في سنا البدر للكواكب اكفان ** توارى بها الشعاع النحيل

والجمال أيضا قصته قصة االنور، فهذه الزهرة التي تبدو هناك وعلى ثغرها ابتسامة جميلة تزينها قطرات االندى، لا تلبث أن تأتيها رياح الخريف فتحيلها أوراقا يطويها التراب، وتعفي عليها الأقدام:

ورياح الخريف تكمن للزهر ** وفي ثغره ابتسام بليل

ثم تأتيه ساعة يذهب الزهر ** هشيما وقد طواه الذبول

وإذا كانت الحياة كلها كدحا ونصبا، فكيف أتى الإنسان إليها ومتى يرحل عنها؟

لا يعلم الإنسان كيف أتى ** إلى الدنيا المتاعب ومتى يرحل؟

ما نحن في الأكوان غير حديقة ** أزهارها عما قيل تذبل

غير أن حب الخلود في الحياة ما زال يداعب أحلام البشر، فهم يفتشون عن دواء يدفعون به الموت، يفتشون عنه في نغم العود، وفي شكوى الحزين، وفي ابتسام البشر، ودمع الانين، كما يفتشون عنه، في امتشاق السيف بين الدارعين، وصدى التكبير بين الهاتفين، ولكن الموت لا مفر منه، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

لا نغم العود ولا شكوى الحزين ** ولا ابتسام االبشر أو دمع الأنين

ولا امتشاق السيف بين الدارعين ** ولا صدى التكبير بين الهاتفين

يعيد نبض القلب في الصدر الخراب ** أو يرجع ا لنفس إذا حان الذهاب

وإذا لم يكن هناك أمل في الخلود فعلى الإنسان أن يشمر عن ساعد الجد وأن يخوض غمار الحياة بما فيها من أسى وأنين وبكاء، وان يبتعد عن اللهو واللعب والغناء، فالذي لا يدمي الشوك أنامله الرقيقة حين يقطف الزهرة العطرة لا يستطيع أن يدرك سر الحياة:

إن الذي لم يدرك أنات المساء ** ولم يسامر عينيه نجم السماء

ولم يحطم جام قلبه الأسى ** ولم ينر ظلام ليله البكاء

والسادر اللاعب طول عمره ** لم يستمع إلا إلى عذب الغناء

والعاشق المحروم في غرامه ** من لوعة الذكرى وحسرة الجفاء

ومجتني الزهر الذي لم تختضب ** يداه في الشوك بحمرة الدماء

جميع هؤلاء مهما سعدوا ** من نعم الدنيا بأمن ورخاء

فإن أسرار الحياة تختفي ** عنهم وهم عنها دوا مًا في اختفاء

وإذا لم يكن هناك أمل في الخلود في الحياة الدنيا، فهناك أمل في الحياة الآخرة، هكذا يعتقد المسام، إن الدنيا ليست هي نهاية المطاف، وإنما هناك حياة أخرى، ينتظر المسلم فيها نعيما مقيما وعيشا رغيدا، وليس يعني_ وضع المسلم في قبره تحت التراب_ أن لا تمتد إليه يد البعث ثانيًا، فهذه البذور توضع في الأرض فلا تموت، وإنما تدب فيها الحياة من جديد.

لقد دفنوا في التراب البذورا ** فلم تفن في لحدها الهامد

ولم تنطفئ نارها في الحياة ** على طول مرقدها البارد

لقد نسجت للحياة القباء ** وصاغت من الزهر أبهى حلاه

نما غصنها زهرًا واستعادت ** من الموت تجديد ذوق الحياه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت