فهرس الكتاب
ثم أخذ يحدثني عن حاله وكيف أنه كان مفرطًا في جنب الله بعيدًا عن طاعة الله، فمنّ الله عليه بالهداية قبل موته بأيام، لقد تداركه الله برحمته قبل فوات الأوان.
فلما فرغ من حديثه عزيته ومضيت، وقد عاهدتُ الله أن أبذل النصيحة لكل مسلم.
(توبة مدمن [1] :
يقول هذا التائب:
(كان المنعطف الأول في حياتي في سن مبكرة جدًا حيث كان عمري آنذاك ست سنوات لا غير، وقبل أن أعي الحياة وأدركها كما ينبغي صحوت على(مأساة عائلية) .
لقد طلّق والدي أمي، وانفصلتْ عنه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ازداد الأمر تعقيدًا حينما قررتْ أمي أن تتزوج .. واختار أبي زوجة أخرى، فأصبحت تائهًا، ضائعًا بين الاثنين .. وكما يقولون: (أمران أحلاهما مر) .. فعند أبي كنت أقابل بمقالب زوجة أبي، أما عند أمي فكان زوج أمي يكشر عن أنيابه دائمًا في وجهي، ومن الطريف أنني كنت دائمًا حاضرًا عند كليهما، وكنت أيضًا غائبًا عن كليهما .. فكنتُ الحاضر الغائب، والموجود المفقود.
ومع هذه الظروف العائلية غير الطبيعية، ومع التفكك والاضمحلال الأسري، سقطتُ في هوة الإدمان مع رفقاء السوء، ووجدتُ معهم الملاذ الذي افتقدته، والعطف والاهتمام اللذين حرمت منهما، طبعًا لم يكن عطفًا واهتمامًا خالصًا لوجه الله، وإنما من أجل الوصول إلى أغراضهم الخبيثة.
أصبحتُ أقضي معظم وقتي مع أولئك الأشرار ما بين شرب وتعاطٍ وإدمان، وحينما يسألني أبي أين كنت؟ أقول له عند أمي، وحينما تستفسر أمي عن غيابي، أقول لها كنت عند أبي، وهكذا يظن كلاهما أنني موجود، وكنت مفقودًا ويعتقد كلاهما أني حاضر، وكنت في تلك الأثناء الغائب الوحيد .. الغائب عن الحياة .. الساقط في التيه والضياع.
كان هذا هو المنعطف الذي ألقى بي في هاوية الإدمان، ولكن كيف خرجت إلى شط الأمان؟
تلك قصة أخرى سأرويها لكم:
ففي ليلة من الليالي، وبعد سهرة تطايرت فيها الرؤوس، وتلاعبت بها المخدرات، خرجنا من (الوكر) لكي نتنفس الهواء العليل ليزيدنا طربًا على طرب!! ونشوة إلى نشوة!! وبينما كنا في سعادة موهومة غامرة، وغيابات كاذبة، إذ بالسيارة تنقلب عدة مرات.
كنا أربعة من الشياطين داخل السيارة، توفي الثلاثة ولم يبق إلا أنا نجوت بأعجوبة .. بفضل الله تعالى.
ومكثتُ في المستشفى عشرة أيام كاملة ما بين الحياة والموت، غيبوبة كاملة تمامًا، كتلك التي كنتُ أحياها من قبل.
(1) عكاظ، العدد 8641.