فهرس الكتاب

الصفحة 6111 من 6619

وقال ابن عبد البر [1] :"فيه دليل على أن طول التغريب عن الأهل والوطن لغير حاجة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وأن من انقضت حاجته لزمه الاستعجال لأهله".

ذكر السمعاني في"تاريخه"، قال: لما قدم الأستاذ أبو القاسم القشيري بغداد، وعقد له مجلس الوعظ. فروى في أول مجلسه الحديث المشهور:"السفر قطعة من العذاب"، فقام إليه سائل، وقال: لم سمى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السفر قطعة من العذاب؟ فقال: لأنه من فرقة الأحباب. فاضطرب الناس وتواجدوا، وما أمكنه أن يتم المجلس فنزل.

(2) أنه يورث ضيق الأخلاق:

وقالوا:"لا تعرف صاحبك حتى تعصيه أو تسافر معه". وقالوا:"الحريص والمسافر مريضان لا يعادان". وقال بعضهم يمدح: أفلح بسام وإن طال السفر.

أورد الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن علي - رضي الله عنه - قال:"السفر ميزان القوم".

وقيل:"عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك". وقيل لأعرابي:"ما الغبطة؟ (قال) : الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان. قيل: ما الذلة؟، قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان".

وحكي ابن عبد البر: أن الإمام الشافعي خرج في بعض أسفاره فضمه الليل إلى مسجد فبات فيه، وغذا في المسجد قوم يتحدثون، يضربون المنا، وهجر المنطق، فتمثل:

وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرؤا لا أشاكله [2]

وأنشدوا:

وكل غريب سوف يمشي بذلة ... إذا بات عن أوطانه وجفا الأهلا

وأنشدوا:

وإن اغتراب المرء من غير حاجة ... ولا فاقة يسموا لها لعجيبُ

وحسب الفتى ذلا، وإن أدرك الغنى ... (ولو) نال ملكًا، أن يقال غريبُ

ولله درُّ الشافعي حيث يقول:

إن الغريب له مخافة سارق ... وخضوع مديون وذلة موثق

فإذا تذكر أهله وبلاده ... ففؤاده كجناح طير خافق [3]

وكان الحجاج يقول:"لولا فرح الإياب لما عذبت أعدائي إلا بالسفر".

وقيل:"الغربة ذلة فإن أعقبها قلة فهي نفس مضمحلة".

وقال إبقراط: (يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها وعادتها". وقال جالينوس: يستروح العليل إلى تربة أرضه كما تستروح الأرض الجدبة لوابل القطر."

ولله در بن الرؤبي حيث يقول:

وَحَبّبَ أوطان الرجال إليهم ... مآربُ قضاها الفؤاد هنالكا

(1) في التمهيد (22/ 36) .

(2) معجم الأدباء (6/ 2408) ، طبعة دار الغرب الإسلامي، ديوان الشافعي (107) .

(3) ديوانه (69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت