فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 451

أكثر المعتزلة يذهبون إلى أنهم يرون الله بقلوبهم بمعنى يعلمونه [1] ، وأنكر ذلك هشام بن عمرو الفوطي [2] وعباد بن سليمان [3] ، ووضعوا شروطا للرؤية هي شروط الرؤية الحسية. قال القاضي عبد الجبار: «يستحيل أن يرى الله في ذاته، ولا يصح أن يرى بالأبصار لأن البصر لا يرى به إلا ما كان مقابلا له، أو ما كان في حكم المقابل له» . وإن أصول دلالة المقابلة عندهم مبنية على أن الواحد منا راء بالحاسة وعلى «أنّ الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل» [4] ، وعلى أنّ القديم تعالى «لا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل» [5] ، فالمقابلة أو ما في حكمها شرط للرؤية. ولما كانت المقابلة والحلول «تصحّ على الأجسام والأعراض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض، فلا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل، ولا في حكم المقابل» [5] ، فلو كان الله تعالى مرئيا لنا لكنا رأيناه بالحاسة، وكان يجب أن نراه على الشروط التي يرى بها غيره من المرئيات، وهذا محال في جانبه عز وجل [7] . ولما كانت الرؤية إدراكا وراء العلم لا تتعلق إلا بالوجود [8] نفوها نفي استحالة مدللين على صحة قولهم بما جاء في قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] . فالآية تنفي الإدراك بالأبصار وواضح هاهنا أن الإدراك المقترن بالبصر يفيد ما تفيده رؤية البصر، ولأن القول: «أدرك الإنسان شيئا» معناه رآه ببصره، ولأن الإدراك كما ذكر القاضي عبد الجبار: «إذا قرن بالبصر فلا يحتمل إلا الرؤية، وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك

(1) مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 289.

(2) هو هشام بن عمرو الفوطي (ت 226هـ) من أهل البصرة، كان عالي المكانة عند العامة والخاصة. وهو آخر من ذكره ابن المرتضى من أهل الطبقة السادسة. انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص، 85 وابن المرتضى، المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، ص 35. وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 143.

(3) عباد بن سليمان من أصحاب هشام الفوطي. وهو من الطبقة السابعة. انظر ابن المرتضى، المنية والأمل، ص 44.

(4) شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 175.

(5) ، م ن، ج 1، ص 175.

(7) انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 6.

(8) انظر زهدي جار الله، المعتزلة، ص 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت