فقالوا بوجوب القطع على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقله أو ذهبوا إلى رده بالتماس ما يطعن في راويه، وإذا صح خبر الحديث الشريف وسلم من ذلك جنحوا إلى القول بأنه خبر آحاد لا يقتضي العلم. وهذا يخالف طريقتهم التي تبني في ذلك على القطع والثبات لأنهم لا يقولون بأحاديث الآحاد في أصول العلم. بيد أنهم يعملون بأخبار أحاديث الآحاد في الفروع [1] . ويبدو أن مصطلح الحديث كله مبني على هذا المبدأ عند السنيين وعند المعتزلة.
فالمعتزلة اعتمدوا في تفسيرهم للقرآن الكريم التأويل اللغوي والاستدلال العقلي وتوظيف الإعراب في النحو لنصرة آرائهم والحديث الشريف والاستعانة بعلمي المعاني والبيان، وعمدوا في كل فعل أسند إلى الله تعالى، وكان ظاهره لا يوافق رأيهم في حرية الإرادة إلى عد نظم الآية الكريمة من باب المجاز مثل قوله عز وجل: {وَمََا كََانَ اللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وقوله: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَظْلِمُ النََّاسَ شَيْئًا وَلََكِنَّ النََّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] وقوله: {وَمَا اللََّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبََادِ} [غافر: 31] فالله منزه عن القبيح والشر ولا يأمر به. وعلى هذا إذا ما كان ظاهر الآية يناقض هذا المدلول عدوها من المجاز وعكفوا على بيانه. فقوله عز وجل: {وَلََا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيََامَةِ} [آل عمران:
77]مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم. وهم مع هذا فسروا بالتوفيق بين القرآن الكريم والحديث الشريف منطلقين من أن ظاهر القرآن الكريم الموافق لمعتقدهم هو محكم، وما لم يكن موافقا هو متشابه أولوه، وأخضعوه لآرائهم الاعتزالية. وسيزداد هذا الأمر تحديدا في الباب الثاني من هذا البحث.
ارتبط التأويل منذ البدء [2] بالخلاف حول المحكم والمتشابه من ناحية وبالخلافات السياسية والعقدية من ناحية أخرى فالقرآن الكريم كمصدر تاريخي لعصر النبوة
(1) انظر ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ج 1، ص 361، وأحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت 1329هـ) شرح قصيدة بن القيم، ج 1، ص، 217وانظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص، 202ود. محمد الأنور السهوتي، دراسات في علم الكلام، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1987م، ص 124123.
(2) تورع بعض علماء مدارس التفسير بمكة والمدينة والعراق من القول في التفسير بالرأي ومنح بعضهم