فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 451

اتسمت المعارف العربية في العهد الأول من الإسلام بالبساطة والنظرات المتفرقة التي يعوزها الترابط، رواها الخلف عن السلف بغير تمحيص حتى جاء العصر الأموي الذي ساد فيه العلم الديني، وصارت مسائله تتناول بنظر أدق في وقت لم تتمايز العلوم فيه بعد، وإنما كانت كتلة واحدة لأن الثقافة آنئذ كذلك، جمعت التفسير والحديث والفقه وما يلزم من لغة وشعر وكان العالم يحدّث بها في المجالس المنعقدة أو يرويها في إحدى المسائل المثارة.

وقد تمحورت أحاديث العلماء ورواياتهم حول المعرفة الدينية التي نواتها القرآن الكريم والحديث الشريف الذين كان الفقه يستنبط منهما، ويروى الشعر لأجلهما، وبسببهما كانت تبحث مسائل نحوية فغلبت المسحة الدينية على النشاط العلمى وقتها.

وتميزت المعارف بحلول العصر العباسي، وجمعت المسائل كلا على حدة، وصنفت أسس العلوم العربية تقريبا فوضع تفسير القرآن، وجمع الحديث، ووضعت علومه، ووضع علم النحو الذي توّج بكتاب سيبويه (ت 180هـ) وألفت كتب اللغة، يتصدرها معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) وما جاء به فكره الرياضي من عروض وغيره، ودونت المعلقات والمفضليات والأصمعيات، وكتب الأدب واللغة، وعلم الكلام ككتب الجاحظ (ت 255هـ) ، وابن قتيبة (ت 276هـ) ، والمبرد (ت 285هـ) وغيرهم كثير. ودوّن الفقه والتاريخ، وترجمت كتب الفلسفة، ونشطت حركة التأليف، وظهرت علوم جديدة بسبب هذا التطور وبسبب الخلافات السياسية والمذهبية، واحتدم الجدل بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم ممن ينتمي إلى ثقافات الأجناس الداخلة في الإسلام والباقية على معتقداتها.

وكانت البصرة في ذلك أكثر المواقع حظا في طلب الدراسة اللغوية لذاتها واعتماد الثقافة المستقلة لأنها كانت متميزة بالتطور والاستقرار والتمرس بالعلوم

والنهل من الثقافات الأجنبية الوافدة عليها نتيجة احتكاك العرب بالفرس وبالهنود واليونان، والتقاء النصرانية واليهودية والمجوسية والإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت