أو أن يقدموا على فهم النص القرآني باتجاه ناقد حرّ. وهو ما لا يجوز صدقه على أوائلهم في أقل تقدير [1] . وبهذه التعبئة من أجل الدفاع عن الدين والرد على المخالفين غدوا ملجأ الخلفاء لمجادلة معارضي الإسلام، فاستعان المأمون بثمامة بن الأشرس وبأبي الهذيل العلاف ومعمر بن عباد السلمي الذي أرسله الرشيد إلى ملك السند لمناظرة السمني. وسعوا مع ذلك إلى الدعوة للإسلام بأنفسهم أو بمرسولين على الرغم من أنّ هذه المحمدة مفصلة في تآليفهم وملمح إليها في غيرها لا غير.
4 -التحكم في أدوات المناظرة:
تسلحت اليهودية والنصرانية والمجوسية بالفلسفة ومزجت ديانتها بها ورتبتها على أصولها فدرسها المعتزلة وتمرّسوا بها ليجابهوا هؤلاء الخصوم بأدلة عقلية غير مكتفين بالأدلة النقلية لأن المخالفين لا يؤمنون بها، فساعدهم هذا التوجه على إفحام معارضيهم وإبراز مكامن الدين الإسلامي وفضائله، وذلك ما جعلهم يحققون الدفاع عن الدين من ناحية ويقربونه من أفهام الأمم والشعوب من ناحية ثانية، وهذا يزيد من انتشاره وذيوعه. بيد أن مسعاهم في خدمة الدين انصرف لاحقا إلى المباحث الفلسفية كالتوفيق بين الدين والفلسفة والتعامل مع أقوال فلاسفة اليونان باعتبارها مكملة للدين! والميل إلى المسائل العقلية الصرفة كالجوهر والعرض والحركة والسكون. وقد تسلم لواءها بعدهم الفلاسفة مثل الكندي (ت 252هـ) والفارابي (ت 339هـ) ، وابن رشد (ت 595هـ) .
رأينا العوامل العامة التي أثرت في ظهور المعتزلة ونشأتهم ولكن ما الأسباب التي أدت إلى تسميتهم بالاعتزال؟.
كشفت الظروف التي مثلت صدر الإسلام وما بعدها بقليل أن الدلالة اللغوية للفظ الاعتزال كان المعني الوارد في القرآن الكريم بمعنى التنحّي. قال الله عز وجل: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212] أي لما رموا بالنجوم منعوا من
(1) انظر: جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 133.