لتضمن القرآن الكريم آيات ظاهرها الجبر كقوله سبحانه: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللََّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلََالَةُ} [النحل: 36] ، وغيرها من الآيات التي ظاهرها الاختيار: {فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وأشار إلى الأحاديث النبوية التي تعرضت إلى القدر قبل أن يفتح المسلمون الشام والعراق [1] . وهذا يؤكد قدم فكرة القضاء والقدر لدى المسلمين، ولا يعدو أن تكون المسألة فكرة تحدث حول كل دين فهي تنوولت في اليهودية والنصرانية والمجوسية ناهيك أنّ أغلب أصول المعتزلة قد وضعت أول ما وضعت للرد على مخالفيهم من المسلمين كجهم ابن صفوان (ت 128هـ) [2] ثم على مخالفيهم من النصارى واليهود والفرس.
وعليه، فإن النص القرآني بما حواه من حقائق الإيمان وخصائص الشريعة الإسلامية تعدّ من العوامل الأساسية التي صقلت الذهنية الإسلامية، «وكونت عقليتها، وميزت منهجها في تحصيل المعارف» ، يدل على ذلك رقي العلوم الإنسانية وانطلاقها في مدارسة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. إن هذه المعالم النقية بما تتضمنه من روح التجديد لهي الأصل الحقيقي في نظرنا لظهور المعتزلة.
لقد خالفت فرق ومذاهب كثيرة تعاليم الإسلام وقواعده، وهي ترجع في أصولها إلى اليهود والنصارى والفرس، فحرصت الفرق الإسلامية الأولى، وبخاصة المعتزلة، على القيام بدور الدفاع الديني والرد على المخالفين ممن أدرك الألوهية على أساس التشبيه أو الجدل في مسألة القدر (حرية الإرادة) . بين الله تعالى تفاوتا في النظر بين هذه المعتقدات بالنسبة إلى الإسلام، فقال سبحانه في أهل الكتاب: {وَلََا تُجََادِلُوا أَهْلَ الْكِتََابِ إِلََّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنََّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلََهُنََا وَإِلََهُكُمْ وََاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:
(1) م ن، ج 1، ص 345.
(2) أبو محرز رأس الجبرية، ظهر معتقده في ترمذ، قتل في آخر ملك بني أمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم أشياء. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 211، 212، 213، 214، 215وكذا، الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 97، 98، 99.