يتوصل الإنسان بالعقل إلى معرفة الكون من حوله من خلال تأمل ما فيه من ظواهر وجزئيات، فيتوصل إلى معرفة بناء الكون ويدرك ما في خلفيته من حكمة، فيعرف أن الله عز وجل مخالف لكل صفات هذا العالم، منزه عنها. هكذا تصور المعتزلة والفلاسفة حركة المعرفة العقلية وتصاعدها من جزئيات العالم المدرك بالحس إلى الكليات العقلية والمفاهيم المجردة. ورأوا المعرفة لا تكتمل إلّا بالعمل الذي يقتضي قدرة واستطاعة، فينتهي ذلك بالإنسان إلى النجاة من العقاب ليفوز حسب
المعتزلة بالسعادة الدائمة. ولكن الأشاعرة خالفوا المعتزلة والفلاسفة في هذا الترتيب المعرفي الآنف لأنهم يقدمون النقل على العقل والتكليف الشرعي على التكليف العقلي.
معرفة الله تعالى. ومعرفة ما يرضيه وما يغضبه. واتباع ما يرضيه وتجنب ما يغضبه. وحجج هذه الأقسام: العقل والكتاب والسنة. فالعقل يمكّن من معرفة الله تعالى بعدله وتوحيده وكل صفاته وما يجوز ولا يجوز، بينما نعلم من طريق الكتاب أوامره ونواهيه وما يرضيه ويغضبه. أما السنة النبوية فنعرف منها كيف نتبع أوامره تعالى وكيف نحجم عن نواهيه. وقسم المعتزلة الحجج إلى أصول وفروع، فالعقلى فيه الضروري والاكتسابي والضروري أصل للاكتسابي. وقسموا حجج الكتاب إلى أصول وفروع أيضا، فأصل الكتاب هو المحكم وفرعه المتشابه يرد إلى أصله المحكم الذي لا اختلاف فيه بين أهل التأويل.
إن جوهر الخلاف بين المعتزلة والسلف سلطة العقل ومداها وحدودها. فقد رأى المعتزلة أن العقل منح الإنسان سلطة تمكّنه من إقامة البرهان حتى على ما يتعلق بالله تعالى، فلا حدود للعقل إلا براهينه ولا خطأ عند صحة البرهان.
فلا بد من استعمال العقل في أدقّ المسائل وأصعبها لاستطاعة وصول العقل إلى الحق فيها، وهم إذا وصلوا إلى حلّ في ذلك تأولوا الآيات على مقتضاها. أما أهل السنة فرأوا العقل محدود الاستطاعة لم يمنح القدرة على إدراك كنه الله تعالى وصفاته وإنما يجب الإيمان بها كما وردت. ورأوا العقل منح القدرة على إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بخاصة.
أدى منهج المعتزلة في التأويل إلى ظهور مصطلحات فنية مثل: العقل في مقابل النقل، والفكر في مقابل السمع، والتأويل في مقابل التقليد، والتوفيق في مقابل التوقيف، والدراية في مقابلة الرواية. واتسم الصراع الذي وقف المعتزلة في قمته بالنزعة السياسية حينا والتنافس العلمي أحيانا، أكدوا فيه على الفكر قبل السمع، وعلى العقل قبل النقل، وأوجبوا على الإنسان التمحيص بالعقل لمعرفة الله تعالى، وللتمييز بين الخير والشر والحسن والقبح قبل مجيء الشرع وإن قصر في شيء من ذلك استوجب العقوبة والعذاب.