وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
فالعفو بعد الوعيد من الكرم وليس خلقا مذموما، ولعل هذا هو الذي جعل الأشاعرة فيما ذكرنا آنفا يقولون: «كيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا وحضنا عليه ومدح من هو من شأنه؟ وقد أجمع الكل على أن ما أمر وحض عليه ومدح فاعله فليس بقبيح قال تعالى: {وَالْكََاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعََافِينَ عَنِ النََّاسِ}
[آل عمران: 134] ، وقوله: {وَاللََّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ََ} [البقرة: 247] ، فدل جميع ما وصفناه على صحة عفو الله تعالى عن سائر المذنبين وجواز ذلك منه لو لم يرد الخبر بأنه لا بد أن يعاقب بعضهم» [1] .
ولا يجوز على الله سبحانه الخلف في الوعيد عند المعتزلة لأنه يؤدي إلى جواز الخلف في الوعد. وهم تشددوا في المعصية أمام الطاعة إذ يرى أغلبهم الكبيرة الواحدة تزيل جميع الطاعات، ولكن بعضهم رأى أن من زادت معاصيه على طاعته أحبطتها ومن كثرت طاعته على زلاته أحبطت عقابها [2] . لقد رأوا الوعد والوعيد أصلا ثابتا بنص القرآن الكريم، وكان من جملة دليلهم قوله تعالى:
{خََالِدِينَ فِيهََا أَبَدًا} [المائدة: 119] ، وقوله تعالى: {وَمََا هُمْ بِخََارِجِينَ مِنْهََا}
[المائدة: 37] وهو يرتبط ارتباطا شديدا بأصل المنزلة بين المنزلتين.
سماه المعتزلة: كلام في الأسماء والأحكام أي أن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين فلا يسمى كافرا ولا مؤمنا وإنما يسمى فاسقا، ولا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، وإنما يفرد له حكم ثالث هو الفسق،
ولا يرهب ابن العم مني صولة ... ولا أختتي من صولة المتهدّد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليأمن ميعادي ومنجز موعدي
ويروى (لمخلف ميعادي) . وروى الشطر المذكور في مادة (ختأ) : (لمخلف إيعادي) ، ج 14، ص 223.
(1) كتاب التمهيد، ص 352.
(2) انظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 379. وكذا أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 63 64