وهو سبب التلقيب بالمنزلة بين المنزلتين [1] . وقد باينوا به وبتخليده النار كل الفرق.
ولما كان أصل الوعد والوعيد لصيقا بأصل المنزلة بين المنزلتين، فإنهما يقومان عندهم على تصور للإيمان والعدل الإلهي وعلى سيرورة العالم إلى غرض. فليس الإيمان عند المعتزلة التصديق والاعتقاد لا غير بل هما يرتبطان بتأدية الأعمال الواجبة [2] ، ورتب المعتزلة على ضوء هذا المعاصي من قوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيََانَ} [الحجرات: 7] فبدءوا بالكفر وهو أعظمها وثنوا بالفسق وختموا بالعصيان الذي قسموه إلى صغائر وكبائر غير أنهم لم يتفقوا في تعريف الصغيرة والكبيرة، إلا أنهم قالوا: الكبيرة ما أتى فيها الوعيد، والصغيرة ما لم يأت فيها ذلك، وجوزوا كل ما لم يأت فيه الوعيد أن يكون كله من الصغائر، وبأنه يمكن أن يكون بعضه صغيرا وبعضه كبيرا، ومنعوا أن يكون غير ذلك [3] .
وقد أوصلوا بعض الكبائر إلى حد الكفر مثل كبيرة الشرك لقوله عز وجل:
{إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ} [النساء: 48] ، ولقوله:
{وَمَنْ يَعْصِ اللََّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نََارًا خََالِدًا فِيهََا} [النساء: 14] ، وجاء في الحديث الشريف: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» [4] ، ومنها تشبيه الله تعالى أو وصفه بالظلم أو تكذيبه في خبره وقالوا بكبائر ما دون الشرك [5] سموا
(1) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق هلموت ريتر، ج 1، ص، 270وكذا الأسفراييني (471هـ) ، التبصير في الدين، تحقيق كمال يوسف الحوت، عالم الكتب بيروت ط 1/ 1983، ص، 21 وكذا أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) ، عالم الكتب، بيروت 1985م، ط 1، ص، 245وكذا الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 8462، 92وابن تيمية (ت 728هـ) منهاج السنة النبوية، ج 3، ص، 421 والنبوات، المطبعة السلفية القاهرة، 1386هـ، ص، 144وكتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة، تحقيق عبد الرحمن محمد قاسم النجدي، مكتبة ابن تيمية، ص، 37ومحمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (ت 727هـ) ، إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ص 37.
(2) قال ابن حزم: عد الفقهاء والمحدثون والمعتزلة والسنة والخوارج أن الإيمان هو المعرفة بالقلب للدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح وكل طاعة وعمل خير فرضا كان أو نافلة وهي إيمان، وكلما ازداد الإنسان خيرا زاد إيمانه، وكلما نقص نقص إيمانه. الفصل في الملل الأهواء والنمل، ج 3، ص 227.
(3) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص، 332وكذا أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 62.
(4) صحيح مسلم رقم، 228ومسند أحمد رقم 40273617.
(5) وهي تسع: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، وعقوق الوالدين، شهادة الزور، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والتولي عند الزحف، وقذف المحصنات: انظر زهدي جار الله، المعتزلة، ص 23