لقد أرجع الباحثون نشأته إلى أسباب كثيرة [1] : داخلية وخارجية. فالداخلية نتجت عن القرآن ذاته وطبيعة المسلمين أنفسهم. وأما الخارجية فمرجعها الثقافات الأجنبية والديانات الشرقية القديمة وإلى طبيعة العقل البشري نفسه.
القرآن الكريم: يمثل المصدر الأول للدين الإسلامي عند المسلمين، أخذوا منه معارفهم وأقاموا علومهم التشريعية والأخلاقية والميتافيزيقية. دعا إلى التوحيد والتوبة وعرض للفرق والأديان المنتشرة في عهد الرسول رادّا عليها ناقضا قولها ومعرّفا لمنكري الأديان والإلهيات والنبوات بأدلة مختلفة، فذكر الشرك وردّ عليه كقوله: {فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى ََ كَوْكَبًا قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لََا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}
[الأنعام: 76] . وردّ على الذين ألّهوا عيسى عليه السلام: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى ََ عِنْدَ اللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] . وأبان الحجة في مسائل التكليف والجبر والاختيار، وذكرنا عن طائفة من المنافقين يوم (أحد) أنّهم قالوا [2] : {هَلْ لَنََا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] ، وقالوا: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [آل عمران: 145] ، وردّ عليهم في قولهم وأمر الرسول أن يدعو دعوته ويجادل مخالفيه فقال تعالى: {ادْعُ إِلى ََ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجََادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] . وقد اقتدى العلماء بهذا المنهج في الرد على المخالفين، وتوسعوا في ردودهم مقابل اتساع المخالفين.
نضج العقلية الإسلامية وبحثها الخلافات الدينية المثارة: تجاوزت الطور الساذج في اعتناقها للعقيدة إلى طور البحث والنظر في مسائل كثيرة كالقدر خيره وشره أو الجبر والاختيار.
(1) انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، مكتبة النهضة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط 7، 1964، ج 2، ص، 1 وكذا د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية. مدخل ودراسة، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 2، 1995 م، ص 46.
(2) انظر الشهرستاني (ت 548 هـ) ، الملل والنحل، تحقيق أمير علي مهنا، علي حسن فاغور، دار المعرفة، بيروت، ط 4، ج 1، ص 29.