السمع. وقال عز وجل: {وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 21] أي لم تؤمنوا بي فلا تكونوا علي ولا معي. قال الزمخشري يفسرها: «فلا موالاة بيني وبين من لم يؤمن فتنحّوا عني واقطعوا أسباب الوصلة عني» [1] غير أنّ تطور الأحداث السياسية والاجتماعية المصطبغة بالدين جعلته يدل لاحقا على ذلك الموقف السلبي غير المتوافق مع الفكر الإيجابي الذي يحترم الدين ويلتزم بقواعده وأخلاقه. وهو موقف بعض الصحابة حين اعتزلوا الفتنة لكي لا يتورّطوا فيما يبعدهم عن جوهر الدين، لكن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد منحا الاعتزال بعدا فكريا مميزا مبنيا على نظرة عقلية ليست بعيدة عن الصورة المنطقية.
فإذا كان هذا يكشف تحولا دلاليا لمفهوم الاعتزال في خضم تلك الأحداث حتى واصل بن عطاء، فمتى ظهر اسم الاعتزال والمعتزلة ظهورا تاريخيا رسميا؟
لقد اختلف المؤرخون والدارسون في أصل منشإ الاعتزال، فمنهم من رده إلى الظروف السياسية، وبعضهم ربطه بالزهد والعزوف عن منافع الدنيا وبهارجها وجعله البعض الآخر مرتبطا بموقف ديني ذي غاية سياسية، ورآهم غير هؤلاء وقفا على تلك القضية التي ذهبت جلّ الدراسات إلى ذكرها، وهي المثارة في مجلس الحسن البصري في القدر والمنزلة بين المنزلتين مع تلميذه واصل الذي انضم إليه عمرو بن عبيد [2] وغيره ممن رأى هذا الرأي.
إنّ من ردّ تسمية الاعتزال إلى الظروف السياسية [3] ربطها بما ذكره الطبري [4]
في مراسلة قيس بن سعد (ت 60هـ) للإمام علي بن أبي طالب يخبره عن رجال معتزلين طلبوا منه الكف عنهم ولأن يتركهم وحالهم إلى وضع يكون فيهم بعد ذلك رأي، فذكر له بأنه لا ينوي التعجيل في حربهم بل فضّل ملاينتهم بين ذلك لعل الله يفرّق بينهم وبين ضلالهم.
(1) الكشاف، ج 3، ص 503.
(2) انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 20، 118، 121.
(3) انظر أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 290، وكذا د. سعيد مراد. مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 19.
وكذا د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، ص 12وما بعدها.
(4) تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر (د. ت) ، ج 4، ص 554.