وقد عزا الطبري في موقف آخر التسمية بالاعتزال إلى تجنب الناس الحرب والقتال، قال: «أما عن الأحنف بن قيس: قال: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أقاتل رجلا ابن عم رسول الله، أمرتموني ببيعته. اختاروا مني واحدة من ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله عز وجل من أمره ما قضى أو اعتزل فأكون قريبا» [1] .
وعلل بعضهم تلقيب المعتزلة بهذا الاسم لاعتزال أتباع علي الحسن بن علي لما بايع معاوية واعتزلوا معه معاوية والناس جميعا ولزموا منازلهم [2] واكتفوا معها بالمساجد للعلم والعبادة في موقف حيادي سلبي. وقيل: إنّ التسمية راجعة إلى اعتزال بيعة الإمام علي، وهو ما ذكره أحمد أمين: «وسموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي» [3] .
إذن فالتسمية اعتمدت في الصدر الأول للإسلام لمعنى مخصوص هو تجنب الدخول في النزاع بين المتنازعين لأحد أمرين: إما لأن الرأي لم يتبلور بعد أمام النزاع القائم أو اقتنع بعدم إصابة الطرفين كليهما، لهذا دأب المؤرخون على إطلاق هذه التسمية على الجماعة التي لم تشارك في القتال بين علي وعائشة رضي الله عنهما يوم الجمل وعلى الذين لم يدخلوا في النزاع بين علي ومعاوية [4] .
ولا مراء في أن هذه الأقوال تدل على أن كلمة «الاعتزال» قد أطلقت قبل مدرسة الحسن البصري بوقت طويل بمعناها اللغوي: «التجنب والتنحّي» ، وليس بالمعنى الاصطلاحي الذي يعني جماعة تتبنّى خمسة أصول من ترك أحدها لم يكن منهم.
وهذا يجعلنا نستبعد أن يرجع أصل التسمية إلى الظروف السياسية الناتجة عن اعتزال المتحاربين لتجنب الفتنة لأن القول به يدخل كثيرا من الناس لا يعتقدون ما
(1) م ن، ج 4، ص 498، وكذا أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 290.
(2) انظر: د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص 198.
(3) فجر الإسلام، ص 290.
(4) أنظر: م ن، ص 290. وكذا د. سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 21.