فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 451

{يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَى اللََّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] أن الرسل منبهين عن الغفلة، وباعثين عن النظر كما هو لدى علماء العدل والتوحيد المراد بهم المعتزلة.

وبيّن بعد هذا أن إرسال الرسل للتنبيه عن الغفلة والحثّ على النظر كما يرى علماء أهل العدل والتوحيد وتبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين، وإبراز أحوال التكليف وتعليم الشرائع فكان إرسالهم إزاحة للسبب غايته إلزام الحجة [1] . هذا معناه كما ذهب إليه بعض الدارسين أن الرسل يتممون عمل العقل الذي يجب أن يؤديه أيضا قبل ظهورهم [2] . غير أن موضع الزمخشري من الاستدلال العقلي يأخذ التوسط والمساواة بين العقل والنقل كأداتين للمعرفة الدينية، وهو يؤكد هذا عند تفسيره قوله عز وجل: {لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مََا كُنََّا فِي أَصْحََابِ السَّعِيرِ} [الملك:

10]: «قيل: إنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل» [3] . ولما كانت المحكمات تمثل عندهم أصل الكتاب تردّ إليها المتشابهات [4]

لم يقر الزمخشري ظاهر قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة:

15]، فقابله بقوله سبحانه: {إِخْوََانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ} [الأعراف: 202] ، وهي آية محكمة وذلك ليعزز رأي المعتزلة القائل بحرية الإرادة الإنسانية فقال إثر تساؤله: كيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان، وهو فعل قبيح يسند إلى الشيطان وإما أن يحمل على أنهم لما أصروا على كفرهم خذلهم الله تعالى ومنعهم من ألطافه فتزايد الدنس في قلوبهم، فسمى ذلك التزايد مددا في الطغيان ومنح ألطافه المؤمنين فتزايد الانشراح والنور في قلوبهم. وقد أسند المدد إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله ولكن فاعله في الحقيقة الكفرة. أو يراد بالمد منع القسر والإلجاء، وإما أن يسند فعل الشيطان إلى الله عز وجل لأنه بتمكينه، وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده [5] .

وإذا كان المعتزلة قد تأولوا الآيات القرآنية التي يخالف ظاهرها قواعدهم المذهبية ليخضعوها لآرائهم، فإنهم أنكروا كل الأحاديث التي خالفت أسس عقيدتهم

(1) م ن، ج 1، ص 583.

(2) انظر جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 159.

(3) الكشاف، ج 4، ص 137136.

(4) انظر م ن، ج 1، ص 413412.

(5) انظر الكشاف، ج 1، ص 188، 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت