فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 451

قالته المجبرة في نسبة أفعال العباد إلى الله تعالى لأن كل تصرفاتنا محتاجة إلينا ومتعلقة بنا لحدوثها [1] ، فالإنسان حسب جهم بن صفوان القائل بالجبر غير قادر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، مجبور في أفعاله ولا إرادة له ولا اختيار، وإنما يخلق الله عز وجل الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب الأفعال إليه مجازا مثل نسبتها إلى الجمادات، وذلك كقولنا: أثمرت الشجرة وتحرك الحجر واهتزت الأرض. ولما كانت الأفعال كلها جبرا فإن الثواب والعقاب جبر، وإذ ثبت الجبر فالتكليف جبر [2] .

لقد هدف نفي القدر عند المعتزلة إلى تثبيت أن الله تعالى عدل حليم ولهذا قال القاضي عبد الجبار: «المراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره ولا يخلّ بما هو واجب عليه وأن أفعاله كلها حسنة» [3] بمعنى أن كل أفعال الله عز وجل حسنة ولا يكون منها إلا الصواب والحكمة ناهيك أنها منزهة عن كل قبيح لأنه عالم بقبح القبيح ومستغن عنه وعالم باستغنائه عنه، لهذا لا يختار القبح بأي وجه من الوجوه [4] .

فالعدل ما يقتضيه العقل من الحكمة بإصدار الفعل على وجه من الصواب والمصلحة، لقد أراد المعتزلة نفي الظلم وأفعال الشر عن الله تعالى وإثباتها فعلا للإنسان، وهذا يمثل الوجه الغيبي للعدل الإلهي، غير أنه يمثل وجها آخر إنسانيا

الخلق خالقون لأفعالهم معتمدين على قوله عز وجل: {لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] ، وأما أهل الحق فتوسطوا قائلين: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه. وهو طريق بين طريقي الإفراط والتفريط، ويسمى بعض العلماء هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا أخذا عن قوله سبحانه: {لَهََا مََا كَسَبَتْ وَعَلَيْهََا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] . لهذا فاكتسابات العباد خلق الله تعالى دون العباد وكسب للعباد دون الله عز وجل لأنه لا يتصور الكسب في الله تعالى لتعلقه بالقدرة الحادثة، ولا يتصور الخلق في العباد لعدم علمهم بتفاصيل ما يصدر عنهم، ولقيام الدليل على أن لا خالق إلا الله تعالى: حز الغلاصم، ج 3، ص 88.

(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص، 54والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص 212211، وكذا محمد عبد الرءوف المناوي (ت 1031هـ) ، التوقيف على مهمات التعاريف، ص، 261وكذا شرح قصيدة الإمام بن القيم، ج 1، ص 112.

(2) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص، 98وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 100.

(3) شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 3.

(4) انظر م ن، ج 2، ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت