ومن هذا يمكن القول: إن الحكمة من الخلق تحقيق منفعة البشر لأنه عز وجل لا يخلق شيئا إلا للنفع أو الاعتبار به، ولا يعطي لعباده في الدنيا إلا ما هو أصلح لهم، وزاد المعتزلة على هذا بأنه تعالى لا يقدر أن يعمي بصيرا أو يمرض صحيحا أو يفقر غنيا إذا علم أن الصحة والبصر والغنى أصلح لهم. وأنه غير قادر على إغناء الفقير أو إبراء المريض إذا علم أن ذلك أصلح لهم [1] . وهذا معناه أن ما يعرض للعباد في هذه الدنيا من مرض وصحة وفقر وغنى وحياة وموت وسراء وضراء هو صلاح لهم. ولعل هذا هو الذي يفهم من قول المعتزلة على لسان القاضي عبد الجبار: بأن الأفعال التي يفعلها الله عز وجل من الآلام لا تخلو إما أن توصل إلى المكلف أو إلى غيره، فإن أوصلت إلى غير المكلف لا بد أن تقابل من الأعواض، وما يوفي عليه وأن يكون فيه اعتبار للمكلفين حتى لا يكون بالنسبة للأول ظلما وللثاني عبثا. أما إن أوصله إلى المكلف فيلزم فيه الأمران كلاهما [2] ، وأبرزوا الغرضية في صور الحيات والعقارب والسباع الضارية الخبيثة والحيوانات المؤذية القتالة فصورها، وإن كانت قبيحة في المنظر فإن فيها أغراضا حكيمة لا يعلمها إلا من أنصف نفسه وأدى الفكر حقه. وأغراضها: نفعها أولا ثم نفع العباد. وهي تتعلق بها منافع دينية ودنيوية [3] .
ويظهر أن هذا ينسجم مع ما ذهب إليه ابن حزم الذي صرح باتفاق المعتزلة معه في معنى خلق الله تعالى للخمر والخنازير والحجارة المعبودة بأنها مخلوقات حسنة منه تعالى، سميت قبائح وأرجاسا حراما. وهكذا يقال في خلقه للأعراض في
ود. سميح دغيم فلسفة القدر في المعتزلة، ص 9288، 133ود. سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 379.
(1) انظر م ن، ص 6463والأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص، 317والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص، 134وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 111وقد كفر بشر بن المعتمر من قال بالأصلح ووضع عوضها عقيدة اللطف المتمثلة في أن لله ألطافا كثيرة لا نهاية لها لو فعلها بمن يعلم أنه لا يؤمن لآمن، وعليه أن يفعل لهم ما هو أصلح لهم في دينهم ويزيح عللهم فيما يعوزهم لأداء ما كلفوا به. انظر الخياط، الانتصار، ص، 115وابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3، ص، 201وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 114، ود. سميع دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 133132.
(2) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ص 317 318، 319والقاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 175.
(3) انظر م ن، ج 1، ص 312298، والقاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 176175.