الثانية: الجماعة التي تنفي القدر من القدرية وارتضوا لأنفسهم كذلك التسمية بأهل العدل، وهم سلف المعتزلة مثل معبد الجهني وعطاء بن سيار وغيلان الدمشقي [1] . وحين وقع هذان الفريقان المهمان في العناد والتعنت ارتميا في أحضان التطرف والغلو في جدلهما للجبر والاختيار، فنزع تفكيرهم إلى مباحث مزجوا فيها الفلسفة بالكلام ونقلوا الكلام لاحقا إلى أطر السياسة وبلاط الحكم، فنجم عن ذلك ضر واعتساف ما كان ليقع لو نزعوا منزع الاعتدال. وحتى لا نقع في متاهات الاختلاف والتفريع نعود إلى ما ذكرنا من أهم الفرق لنقول في حصر وإيجاز: إن الخلاف الجوهري بين أهل السنة السلف منهم والأشاعرة وبين المعتزلة يتمحور حول القدر هذا واضح غير أن المشكلة تكمن في أن أهل السنة فهموا من قول المعتزلة العباد خالقون لأفعالهم بأن الله يعصى كرها، يظهر هذا في أحد ردود الأشعري على المعتزلة في كلامه على الإرادة أن العباد لو فعلوا «ما لا يريد الله وما يكرهه لكانوا أكرهوه، وهذه صفة القهر تعالى عن ذلك علوا كبيرا» [2]
ويبدو أن ما أراده المعتزلة هو أن الله تعالى أقدر عباده على الفعل فوهبهم العقل ليميزوا به الحسن من القبيح وليفرقوا الصواب عن الخطأ، وأقدرهم على أفعالهم وشملهم بعنايته، بأن أرسل إليهم الرسل ليهديهم السبيل ثم خلّى بينهم وبين أفعالهم، فمن أحسن فعلا من عباده فلنفسه ومن اقترف السوء والقبح فعليها، وذلك كله في نطاق المسئولية والحرية التي أنعم بها الله تعالى، فقد أذن الله سبحانه أن نفعل ما نريد وهذا ليصح الثواب والعقاب، لذا قال الله تعالى: {مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلََّا بِإِذْنِ اللََّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللََّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:
11]. قال الزمخشري لشرح: (يهد قلبه) يلطف به ويشرحه ليزداد طاعة وخيرا أو الاسترجاع عند المصيبة، ثم أضاف منتصرا لخليفة المعتزلة: «وقرئ (يهد قلبه) على البناء للمفعول والقلب مرفوع أو منصوب ووجه النصب أن يكون مثل (سفه نفسه) أي يهد في قلبه» ، ثم أضاف: «ويجوز أن يكون المعنى: أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه والمؤمن واجد له مهتد إليه كقوله تعالى: {لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]
(1) انظر زهدي جار الله، المعتزلة، ص 99.
(2) الإنابة عن أصول الديانة، تحقيق د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار القاهرة، 1397هـ، ط 1، ج 1، ص، 167وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 119.