{أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 22، 23] : إنّ شرّ من دبّ على الأرض أو إن شر البهائم صم بكم على الحق لا يعقلونه فلو علم الله عز وجل أن ألطافه تنفعهم للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين فلا ينفع فيهم اللطف لذا منعهم سبحانه إلطافه أو لو لطف بهم وصدقوا لارتدّوا بعد ذلك، وكذبوا ولم يستقيموا [1] .
ولما كانوا يرون الهداية واجبة على الله عز وجل قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى اللََّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهََا جََائِرٌ وَلَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل:
9]: «أي أن هداية الطريق الموصلة إلى الحق واجبة عليه كقوله: {إِنَّ عَلَيْنََا لَلْهُدى ََ} [الليل: 12] . فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله: (ومنها جائر) قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: «وعلى الله قصد السبيل» : وعليها جائرها أو «وعليها الجائر» .
وقرأ عبد الله «ومنكم جائر» بمعنى ومنكم جائر عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه» [2] ، ولم يفوت أحمد بن المنير لومه على الزمخشري الذي لم يأخذ بتتمة الآية وبيّن في تعقيبه اعتبارين لكل فعل يصدر عن العبد:
الأول: من حيث وجوده هو مخلوق لله تعالى ومضاف إليه بهذا الاعتبار.
الثاني: من حيث اقترانه باختيار العبد له وبتأتيه له وتيسره عليه يضاف إلى العبد. وأضاف أن تعدد الاعتبارين ثابت في كل فعل فيترتب على هذا أن إضافة الهداية إلى الله تعالى باعتبار خلقه لها تناسب إقامة الحجة على العباد. ويكون إضافة الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له [3] .
ولا غرو في أن هذا يبين الخلاف في «الكسب» [4] بين أهل السنة والمعتزلة، فهو عند المعتزلة الفعل الواقع على وجه يستجلب به العبد نفعا أو يدفع به ضررا.
(1) الكشاف، ج 2، ص 151.
(2) الكشاف، ج 2، ص 403.
(3) الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش الكشاف، ج 2، ص 403.
(4) الكسب «الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر، ولا يوصف فعل الله بأنه كسب لأنه منزه عن جلب نفع أو دفع ضر» . الجرجاني، التعريفات، ص 128، أول من نطق به ضرار بن عمرو ولم