فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 451

والقرآن الكريم في قوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صََالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسََاءَ فَعَلَيْهََا}

[فصلت: 46] فالعمل الصالح والسيئ كلاهما ينبع من النفس ويعود بالنتيجة إليها. إن فعل الفاعل طاعة فإنه يثاب، وإن اقترف معصية يعاقب. لهذا ما دام الإنسان في واقع التكليف فإنه يخلق أفعاله باختياره. وإن مسألة الخلق عند المعتزلة قد وقع التجوز بها في مجال الطبيعة الإنسانية.

واختلف المعتزلة مع الأشاعرة في نسبة الفعل الإنساني إلى فاعله، ويمكن القول هنا بأن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشاعرة يتعلق برأيهم في الغائية، ويمس أحد أصولهم وهو تفرد الله سبحانه بالخلق، فهم لما رأوا انفراد الله تعالى بالفاعلية في العالم ترتب على ذلك عندهم أن جميع أفعال الإنسان خيرها وشرها هي من خلق الله وإيجاده. غير أنهم جعلوا لكل فعل اعتبارين:

الأول: خلق الفعل وإيجاده من الله تعالى.

الثاني: العبد يكتسب ولا يفعل. وهم يؤكدون مع هذا أن الله تعالى هو القدرة الوحيدة المؤثرة في العالم والتي تقصد كل ما فيه من أفعال لذا قال الأشعري:

«ويقال لأهل القدر: أليس قوله تعالى: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: 12] يدل على أنه لا معلوم إلا والله به عالم. فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: ما أنكرتم أن يدل قوله تعالى: {عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] على أنه لا مقدور إلا، والله عليه قادر، وأن يدل قوله تعالى: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] على أنه لا محدث مفعول إلا والله محدث له فاعل خالق» [1] ، ويبلور هذا نظرتهم الغائية التي تنبني على استحضار السيادة المطلقة المهيمنة لله تعالى على العالم [2] . ولئن كنا عرضنا رأي المعتزلة فيه فقد ردّ دارسون معاصرون على هذا أيضا، وبين بعضهم أن التجربة لا تظهرنا كذلك متحدين بالوجود الكلي، وإنما تؤكد استقلالنا عن كل وجود وتكرس الفصل بين الموجودات ويرى في ارجاع الأفعال جميعها إلى الله تعالى تجاهلا للشخصية الإنسانية التي كرمها الله وميزها، وهيأ لها أسباب

(1) كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 88.

(2) انظر نوران الجزيري، قراءة في علم الكلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، ص، 141ودي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت