مستوى ذلك فإنه يدل على أنه اجتهاد يوضّح غموض النص حينا، ويعين معانيه حينا آخر، أو يستنبط دلالة غير واضحة فيه آخر المطاف [1] . وهذا يبيّن أن التفسير مقارب في دلالته للتأويل وجزء منه، غير أن الطبري لم يفرّق قبل هذا بينهما إلا أن غيرهما رأى تفرد كل من التفسير والتأويل بمعناه الذي يختلف به عن الآخر.
وقد ذهب الزمخشري (ت 538هـ) إلى أن التأويل من الإيالة التي هي السياسة، وعليه فإن المؤوّل كأنه يسوس الكلام ويضعه موضعه ويضعه فيه الوضع اللائق المؤتلف، قال: «آل الرعية يؤولها إيالة حسنة وهو حسن الإيالة وائتالها وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم أي سائس محتكم» [2] وفي لسان العرب من الأول: الرجوع.
آل الشيء يئول أولا ومآلا رجع. وأول الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء ارتدت.
ثم قال: «وأول الكلام وتأوله دبّره وقدّره وأوله وتأوّله: فسّره» [3] . وقال الشريف الجرجاني (ت 740هـ) : «والتأويل في الأصل الترجيح» [4] . وهو عند الزركشي (ت 794هـ) الكشف عن عاقبة الأمر وما تصير إليه العاقبة في المقصود به، فهو من المآل والعاقبة والمصير.
استوحى هذا من آي الذكر الحكيم التي استشهد بها. غير أنه ذكر مع ذلك أن بعضهم ربطه بالإيالة التي هي السياسة مثلما سبق. قال: «التأويل أصله في اللغة من الأول وقولهم: ما تأويل هذا الكلام؟ أي إلى ما تئول العاقبة في المراد به، كقوله عز وجل: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] أي تكشف عاقبته. ويقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه. وقال سبحانه: {ذََلِكَ تَأْوِيلُ مََا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] ، وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير. وقد أوّلته فآل أي صرفته فانصرف، فكأنّ التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني» ثم قال:
(1) انظر الحبيب شبيل، من النص إلى سلطة التأويل: (مقال منشور في منشورات كلية الآداب تونس) ، المجلد الثامن 1992، ص 448.
(2) أساس البلاغة، (أول) ص 12.
(3) لسان العرب، أول، ج 11، ص 33.
(4) التعريفات، ضبطه وفهرسه محمد بن عبد الكريم القاضي، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط 1، 1411هـ، 1991م، ص 65.