الحذف والإضمار وهو في القرآن الكريم كثير تلزم درايته ومعرفته، ثم قال القرطبي: «وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه» [1] .
وأما الفريق الثاني: فإنه أجاز التأويل ورأى النهي محمولا على من تأوّل مشكل القرآن ومتشابهه من الذي لا يعلم إلا من النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، واستدلوا على «الرأي» المقصود في الحديث بأنه الذي لا يؤسس على دليل ولا يصدر عن اقتناع بصير، وأقاموا إباحتهم للتأويل على جملة من الأسس:
أولا: النص القرآني: كقوله تعالى: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا}
[محمد: 24] ، وقوله: {كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ مُبََارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيََاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبََابِ} [ص: 29] ، وقوله سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى ََ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ، فوجه الدلالة في الآيات بترتيبها حث على تدبّر القرآن والاتعاظ بعظاته وسماح في الثالثة منها لأولي الألباب وبالاستنباط وبالاجتهاد وبإعمال العقل قصد معرفة الأحكام الشرعية، فالذي لم يستأثر الله تعالى بعلمه وتأويله يصعب أن نتصور منع الاجتهاد فيه عمن استكمل عدته من العلماء والمفكرين المسلمين به من تكليف وعدالة وجودة حفظ ومعرفة ما يقوم عليه الاجتهاد من العلوم [2] .
ثانيا: قالوا: إن في تعطيل التفسير بالرأي منعا للاجتهاد، فلو كان هذا واقعا لكان أدى إلى تعطيل كثير من الأحكام، ولا خلاف في جواز الاجتهاد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم [3] ، ومن أن المجتهد في حكم الشرع مأجور وأن شرعية الاجتهاد واضحة في حديث معاذ بن جبل حين أرسله النبي إلى اليمن واليا: قال له:
«كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن
(1) م ن، ج 1، ص 34.
(2) انظر أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت 741هـ) : تقريب الوصول إلى علم الأصول، ودراسة وتحقيق محمد علي فركوس، دار التراث الإسلامي الجزائر، ط 1، 1990، ص، 153وانظر أحمد محيي الدين العجوز، مناهج الشريعة الإسلامية، مكتبة المعارف بيروت 1983، ج 3، ص 101وما بعدها. وانظر محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين ودار المعرفة، بيروت، ج 3، ط 3، (د. ت) ، ص 197وما بعدها.
(3) انظر ابن جزي الكلبي الغرناطي المالكي: تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص 153.