فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 451

فيها على المكلف قبل مجيء الشرع أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصّر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا» [1] ، واجتمعت كلمتهم في أن الإنسان العاقل قادر بعقله على أن يميز بين الأشياء الحسنة والقبيحة، وأن يفرق بين الخير والشر قبل ورود الشرع لذا أوجبوا عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل وتجنب القبيح كالكذب والظلم [2] . وفي جانب من هذه الخلفية فسر الزمخشري قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، وبناه على استدلال اعتزالي قال: «وقد استدل بقوله خلق لكم على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا، لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها» [3] قال القرطبي (ت 671هـ) : استدل المعتزلة بأن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] إلى أن يقوم الدليل على الحظر. وتوقف آخرون وقالوا: ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معيّن قبل ورود الشرع، فتعيّن الوقف إلى ورود الشرع وهذه الأقوال الثلاثة للمعتزلة. وأضاف أن (الشيخ أبا الحسن) وأصحابه وأكثر المالكية و (الصّيرفي) [4] أطلقوا القول بالوقف ومعناه عندهم «أن لا حكم فيها في تلك الحال وأن الشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا بغيره، وإنما حظه أن يتعرف الأمور على ما هي عليه» [5] . ولئن استدل

(1) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 66، 72.

(2) انظر م ن، ج 1، ص 5856، 66وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 115.

وقد اختلفوا في مواهب العقل، إذ تتم معرفة الله تعالى والدليل الداعي إلى معرفته عند أبي الهذيل العلاف بضرورة العقل من غير خاطر أي دون روية. بينما يتوصل الإنسان العاقل عند النظّام إلى معرفة الخالق قبل ورود الشرع بالعقل أي بعد تفكر وتأمل. وذهب ثمامة ابن أشرس إلى أن المعارف كلها ضرورية، ومن لم يضطر إلى معرفة الله تعالى فليس مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان: انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 129173وكذا الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 8566، 72وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 115116.

(3) الكشاف، ج 1، ص 270.

(4) محمد بن عبد الله (الشافعي الفقيه الأصولي، م 330) .

(5) الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 252251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت